عبد الملك الجويني

518

نهاية المطلب في دراية المذهب

وقد تقدم أن ترك الجمعة بعذر المطر جائز وفاقاً ، وكذلك الوحل الشديد ، على ظاهر المذهب . 1425 - والمرض الذي يجوز التخلف به لا يبلغ مبلغ الذي يجوز لأجله القُعود في الصلاة المفروضة ، ولكنه مقيسٌ ، معتبر بما يلقاه الماشي في الوحل والمطر ، وبما ينال من يفوته موتُ قريبه من [ المضض ] ( 1 ) ، ولو كان له زوجة أو مملوك ، فهو عندي على معنى القريب ، ولا يبعد أن يكون المولى كذلك ، فإن الأئمة لم يفصلوا في القريب بين من يقرب إدلاؤُه وبين من يبعد . ولو كان ثمَّ مريض ، فأراد أن يقوم بتمريضه ، ويترك الجمعة ، فإن لم يكن للمريض قريب ( 2 ) ، ولم يكن بينه وبينه سبب مما ذكرتُه ، وكان لا ينال المريضَ ضررٌ بمفارقته ، فيتعين حضور الجامع ، وإن كان المريض قريبَه ، وكذلك إن كان للمريض من يتفقده في غيبته . 1426 - فأما إذا لم يكن لذلك المريض من يمرّضه ، وكان يناله ضررٌ بغيبته ، فهذا أبهمه الفقهاء ، ولم يفصلوه على ما ينبغي ، وأنا أقول فيه : من أشرف على الهلاك من المسلمين وأمكن إنقاذه ، فإنقاذه فرض على الكفاية ، ولو تركه أهلُ القُطر حتى هلك حَرِجوا من عند آخرهم ، وعليه يخرج إطعام المضطر . وكان شيخي يذكر مجامع فرائض الكفايات في كتاب السير ، وسنذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى . وقدرُ غرضنا منه أن الذي يتعلق بفرض الكفاية ، في هذا الفن الذي نحن فيه ، الإنقاذُ من الهلاك ، فأما إذا فرض جائعٌ قد بلغ به الجوع مبلغاً مضراً ، فلست أرى تدارك هذا من فروض الكفايات ؛ فإن هذا لو قيل به ، لأدى إلى تأثيم خلق الله على عموم الأحوال ؛ فإن الحاجة عامة ، والضرر غالب في الأصحاء والمرضى . نعم يجب على الإمام تعهد هؤلاء وسد خلاّتهم من مال المصالح ؛ فإن سبيل تعلّق استحقاق هؤلاء بمال بيت المال ، كسبيل تعلق حق الولد الفقير بمال الأب الغني ، فإذا كان في

--> ( 1 ) في الأصل ، وفي ( ط ) : المرض . والمثبت من ( ت 1 ) . ( 2 ) عبارة ( ل ) : " فإن لم يكن المريض قريبه " .