عبد الملك الجويني

511

نهاية المطلب في دراية المذهب

والمتقدم ليس خليفة ، وإنما هو عاقد صلاةَ نفسه ، جارٍ على ترتيب نفسه فيها ، وقد انقطعت قدوة المقتدين بإمامهم ، فإن اقتدَوْا بهذا الرجل ، فسبيلهم كسبيل منفردين ، يقتدون في أثناء الصلاة ، وقد ذكرنا ما فيه من اختلاف القول فيما تقدم . وإن فرضنا هذه الواقعة في الجمعة ، ففي صحة الظهر لهذا المتقدم قولان ، وفي صحة صلاته على أحد القولين قولان . فإن لم نصحح صلاتَه ، فلا يصح اقتداء أحدٍ به ، وإن صححنا صلاته ، فنقول : إن جرى هذا في الركعة الأولى - والتفريع في جميع ذلك على ما ذكره الأصحاب - فقد انقطعت قدوة القوم ، فلا جمعة لهم ؛ فإنهم لم يدركوا ركعة مع إمام الجمعة ، ولم تصح الخلافةُ على هذه الصورة في حق هذا الداخل . وقد نقول : لا يصح ظهر القوم ، والجمعة لا مطمع فيها وفي صحة نفلهم كلام على ما تكرر . فإن صحت صلاتُه ، فنوَوا الاقتداء بهذا المتقدم على الصورة التي ذكرناها ، فهؤلاء نَوَوا القدوة في أثناء الصلاة ، وفيه من الكلام ما مضى . وإن أحسوا بحقيقة الحال ، فقطعوا الصلاة ، وابتدأ هذا الداخل المحتقدم ، ونوى الجمعة ، واقتدى القوم به ابتداءً ، صحت الجمعة للمتقدم ، والمقتدين به ، إذا جوزنا أن يخطب رجل ، ويصلي الجمعة غيرُ من خطب ، فإن لم نجوز ، فلا جمعة لهم . ثم لا يخفى بقية التفريع . فهذا تفريع الحكم لو جرى ما ذكرناه في الركعة الأولى . 1415 - فأما إذا جرى في الركعة الثانية ، فقد ذكرنا من مذهب الأصحاب أن جمعة القوم صحيحة ، وإن انفردوا بالركعة الأخيرة ، فلو تقدم الداخل ونوى الجمعة ، فاقتدى القوم ، فقد نقول : لا تصح صلاة المتقدم الذي نوى الجمعة ، فلا يصح اقتداؤهم ، مع العلم بذلك ، وبطلت صلاتهم . وإن قلنا : تصح صلاة المتقدم ظهراً أو نفلاً ، فالقوم قد انقطعت قدوتهم ، ولم يصح الاستخلاف ، فإن اقتدَوْا به ، كان هذا اقتداء طارئاً على الصلاة بعد ثبوت حقيقة الانفراد ، وفي جواز ذلك القولان الجاريان في سائر الصلوات . فهذا منتهى القول في الاستخلاف وما يتعلق به .