عبد الملك الجويني
483
نهاية المطلب في دراية المذهب
متسامح في نقصان العدد في أثناء الصلاة ، فله خروج على هذا الأصل ، فأما الخطبة ، فالغرض منها استماع الباقين ووعظهم وتذكيرهم ؛ فما جرى ، ولا مستمعَ ، أو مع نقصان عدد المستمع ، فقد عُدمَ أصلُ مقصود الخطبة . ولو سكت الإمام ، لما انفضّ القوم ، فطال الفصل ، فعادوا بعد تخلل الفصل الطويل ، فهل يبني الخطيبُْ على الخطبة ؟ ذكر معظم الأئمة قولين في ذلك ، وخرّجوهما على قولين في أن الموالاة هل تشترط في الخطبة ؟ وطردوا القولين فيه إذا لم ينفض القوم ، ولكن سكت الخطيب سكوتاً طويلاً ، تنقطع بمثله الموالاة ، فهل يلزمه إعادة الخطبة ؟ فعلى قولين . 1366 - ولو انفض القوم بعد الخطبتين ، ولم يتحرّم الإمام حتى عادوا ، وما عادوا إلا بعد طول الفصل ، فإذا عادوا ففي المسألة القولان المذكوران ، فإن قلنا : الموالاة ليست مشروطة ، تحرّم بالصلاة وتحرموا ، ولم يضرّ ما جرى ، إذا وسع الوقتُ الصلاةَ ، كما سنذكر الوقت وما يتعلق به إن شاء الله . وإن حكمنا باشتراط الموالاة ، فقد بطلت الخطبتان ، فإن أعادهما على قربٍ ، وتحرّم وتحرّموا ، ووسع الوقت ، جاز ذلك . وإن لم يُعد ، فقد قال الشافعي : " أحببت أن يعيدَهما ، ولو لم يُعدهما ، لم تصح الجمعة " ؛ فقوله : " أحببتُ " أثار خلافاً بين الأصحاب ، فقال قائلون منهم : يجب عليه الإعادة ، ووجهه أن ذلك ما ( 1 ) تصح به الجمعة ، فعليه التسبب إليه ، والسعي في تحصيله ؛ إذ هو ممكن ، وهو متمكن . وذهب آخرون إلى أنه لا يجب عليه ذلك ؛ فإنه قد فعل ما عليه . وفائدة الخلاف أن صلاة الجمعة إذا لم تصح بسبب امتناعه عن إعادة الخطبة ، فالذنب في وجهٍ محالٌ على الخطيب في ترك الإعادة ، وهو في وجه محال على القوم ؛ فإنهم بانفضاضهم جرّوا هذا ، وهو قد أدى ما عليه من الخطبتين مرة ، وسبب إبطالهما تفرقُهم وطول الفصل .
--> ( 1 ) ( ما ) هنا موصولة بمعنى الذي ، وهي خبر ( أن ) .