عبد الملك الجويني
463
نهاية المطلب في دراية المذهب
الأرض وينتقل من بلدة إلى بلدة ، وليس له غرض صحيح معقول ؛ فإنه لا يترخص [ وإن تَحَدد قصدُه في سفره ] ( 1 ) ، وخرج عن مضاهاة من يهيم ولا مقصد له ؛ لأن الرخص أثبتت لتحصيل ذريعة إلى تحصيل أغراض المسافرين . وقد قال الصيدلاني : لا يحل للإنسان أن يتعب نفسه ودابته في سفره من غير غرض ، فليتحقق السفر على هذا التقدير من غير غرض بسفر المعصية . فإن قيل : إذا جوزنا للذي يسلك أبعد الطريقين من غير غرض أن يقصر ، فهلا جوزنا للذي ليس له غرض صحيح في سفره مثلَ ذلك ؟ قلنا : ذلك القول أوّلاً بعيد ، لا اتجاه له ، ثم قد يخطر لناصر ذلك القول أن غرضه في مقصده ثابت ولا مضايقة معه في تغير الطرق ، والذي نحن فيه في تفصيل حكم من لا غرض له في مقصدٍ ولا سفر . وكان شيخي يقول : لو كان غرض المسافر أن يرى البلاد ، وينظر إليها ، فليس هذا من الأغراض التي يُبالى بها ، ولا يحتمل العاقل المشاقَّ وركوبَ أخطار الأسفار لأجل ذلك . فروع متصلة بهذا الأصل ، منها : 1331 - أن الرجل إذا ردَّى نفسَه من علُو ، فانخلعت قدماه ، فإذا بَرَأ ، فهل يعيد الصلوات المفروضة التي أداها قاعداً ؟ المذهب أنه لا يقضيها ؛ لأن المعصية انتهت بسقوطه ، وما كان عاصياً في دوام قعوده . ومن أصحابنا من قال : إنه يقضي ، فإن قعوده كان بسبب المعصية ، فجُعل كعين المعصية ، وهذا القائل يستشهد بالسُّكْر ؛ فإنه ليس معصية في نفسه ؛ فإنه ليس فعلاً مقدوراً للمكلف ، ولكن لما كان مترتباً على الشرب ، لم يتضمن تخفيفاً في باب العبادات .
--> ( 1 ) في الأصل ، وفي ( ط ) : " وإن لم يجدد سفره في قصده " وفي ( ت 1 ) : " وإن تجدد سفره في قصده " وعبارة ابن أبي عصرون : " إن تجرّد سفره في قصده " والمثبت تقديرٌ منا . نرجو أن يكون صواباً ؛ فإن المعنى أنه كان يضرب في الأرض ، منتقلاً من بلدة إلى بلدة أخرى ، في ترتيب وتخطيط معروف له ، فهذا يخرجه عن مضاهاة الهائم بغير مقصد ، ولكنه لم يخرج عن المسافر في غير غرض صحيح . ثم جاءت ( ل ) بلفظ ( وإن تجدد ) مثل ( ت 1 ) .