عبد الملك الجويني
462
نهاية المطلب في دراية المذهب
الطاعة ، فالذي يقتضيه قياس النص أن الحكم للقصد الأول ، ولا حكم لطريان قصد الطاعة . فأما ابن سريج ، فإنه يتبع موجب قصده ، طارئاً كان أو مقارناً لإنشاء السفر . فنقول : إذا تاب ، نظر : فإن كان بينه وبين المقصد مرحلتان ، فصاعداً ، قصر ، وأفطر ، وإن كان ، أقل ، فلا يترخص برخص السفر الطويل ، وهو من وقت توبته كمبتدىءٍ سفراً ، وقطع بعض المصنفين بهذا الجواب ، في طريان قصد الطاعة ولم يذكر قياس النص ، ولا سبيل إلى القطع ؛ فإن طريان الطاعة على المعصية ، كطريان المعصية على الطاعة . 1328 - ومما ذكره الصيدلاني : أن الرجل إذا عصى بإقامته ، كالعبد أمره مولاه أن يسافر في جهة ولا يعرِّج ( 1 ) في موضعٍ ما ، فأقام من غير عذر ، فقد عصى ، فهل يمسح في إقامته على الخف يوماً وليلة ؟ فعلى وجهين : أحدهما - لا يمسح ؛ لأن هذا من رخص الإقامة ، وهو عاصٍ بها ، فصار كما لو كان عاصياً بسفره . والثاني - أنه يمسح ؛ فإن المسح لا يختص بالإقامة ، ولو قدرنا ارتفاع الإقامة ، لكان يمسح ، فلا معنى لعدّ المسح من رخص الإقامة ، بل هو سائغ سفراً وحضراً ، ولكن الإقامة تمنع من الزيادة على يوم وليلة ، فهذا أثر الإقامة وخاصيتها ، لا أصل المسح . 1329 - وقد ذكر صاحب التلخيص لفظةً مختلة نذكرها عنه ، وذلك أنه قال : إنما يقصر المسافر في سفر الطاعة ، وهذا يدلّ على أن كون السفر طاعة شرطٌ ، وليس كذلك ، بل الشرط ألا يكون سفر معصية ، فإن كان ما ذكره زللاً في اللفظة ؛ من جهة أن اللسان يبتدر إلى مقابلة المعصية بالطاعة ازدواجاً ، فهو سهل ، وإن كان ذلك عن عَقْدٍ ، فهو خطأ باتفاق الأصحاب . 1330 - ثم قال علماؤنا : نحن وإن لم نشترط أن يكون السفر سفر طاعة ، فنشترط أن يكون فيه غرض صحيح ، كالتجارة ، والزيارة وغيرها ، فأما إذا كان يتقلب في
--> ( 1 ) " يعرّج " : أي يقيم .