عبد الملك الجويني
460
نهاية المطلب في دراية المذهب
الحركة فيها ، ولو مسح على خفيه ، لكان ذلك عوناً له على ما هو فيه ، فيحتمل أن نمنعه من الرخص ، وهذا حسن بالغ . 1324 - ومما كان يحكيه شيخي حكايةً : أن المسافر العاصي بسفره ، لو اضطر إلى أكل ميتة ، ولو أكلها ، لتقوى على إمضاء عزمه في إباقه ، أو قطع طريقه ، فهل يحل له الأكل منها ؛ فعلى وجهين : أحدهما - أنه يأكل منها ؛ فإن إحياء النفس المشرفة على الهلاك واجبٌ ، سواء كان المرء عاصياً أو مطيعاً ، ولو قلنا : لا يأكل ، لكان ذلك سعياً في إهلاكه . والثاني - لا يأكل ؛ لأنه لو أكل ، لتذرعّ إلى المعصية ، ونحن قد نقتل نفوساً في الذب عن درهم ، إذا حاولوا أخذه بباطل . وكان الأودني ( 1 ) يختار هذا الوجه ، وكان من دأبه أن يضنّ بالفقه على من لا يستحقه ، ولا يبديه . وإن ( 2 ) كان يظهر أثر الانقطاع عليه في المناظرة ، فأُلزم هذه المسألة ، وأخذ المُلزِم يطول بها ، ويقول : هذا سَعْيٌ في إهلاك نفسٍ معصومة مصونة ، فكان [ الأُودني ] ( 3 ) يقول لمن بالقرب منه : " تُ . بْ . كُ . لْ " يريد تُبْ ، كُلْ ، معناه : أيها الساعي في دَمِ نفسه باستمراره على عصيانه ، فإن أراد أَكْلَ الميتة ، فليتب ولْيأكل . وفي المسألة احتمال ظاهر . ولا خلاف أن العاصي بسفره ، غيرُ ممنوع من أكل الأطعمة المباحة ، وإن كان يتوصّل بها إلى غرضه ، ولكن أكل المباحات ليس [ معدوداً من الرخص ، وإنما تمتنع
--> ( 1 ) الأودني : محمد بن عبد الله بن محمد بن بصير بن ورقة البخاري - الشيخ الجليل ، إمام الشافعية فيما وراء النهر في عصره ، وأودن التي ينسب إليها قرية من قرى بخارى . قال ابن السمعاني : بضم الهمزة ، وقال ابن ماكولا : بفتحها . توفي سنة 385 ه ( طبقات السبكي : 3 / 182 ، الإكمال : 1 / 320 ، الأنساب : 1 / 380 ، وطبقات العبادي : 92 ، ووفيات الأعيان : 3 / 346 ) . ( 2 ) كذا في النسخ الثلاث ، ولعلها : " وإذ كان " . ( 3 ) زيادة لإيضاح العبارة ، كما في الطبقات .