عبد الملك الجويني

459

نهاية المطلب في دراية المذهب

المرحلةُ مرحلتين ، فليس له أن يقصر والحالة هذه ، وإن ربط قصده بأن يفعل ذلك ؛ فإن هذه زيادة تعب لا تفيد ، قال الصيدلاني : من كان يركض فرسَه من غير غرضٍ ورياضةٍ ، ورعاية أدب معلوم ، فهو في إيذائه دابتَه عاصٍ ، وإذا كان كذلك ، فلأن يكون عاصياً بإيذاء نفسه من غير غرض أولى . ومن أئمتنا من قال : ليست المسألة على قولين ، ولكن النّصّين منزلان على حالين ، فحيث قال : يقصر ، أراد إذا كان له غرض ظاهر . وكان شيخي يتردد إذا كان الطريق البعيد نَزِهةً طيبةً ، بخلاف الأخرى ، فهل يعد ذلك من الأغراض ، حتى يقطع القول بجواز القصر ؟ ولعل الظاهر عدُّه من الأغراض . فصل 1322 - مذهب الشافعي أن العاصي بسفره لا يستبيح شيئاً من رخص المسافرين ، والعاصي بسفره كالعبد الآبق ، والخارج بغير إذن والديه في سفرٍ يشترط فيه إذنهما ، وكذلك الهامّ بقطع الطريق ، أو ابتغاء مسلمٍ للقتل وغيره من جهات الظلم . 1323 - والعاصي في سفره يقصرُ إذا لم يكن سفرُه في عينه معصيةً ، وقد ذكرت معتمد المذهب في ( الأساليب ) ( 1 ) ، وأنا أرمز إليه ، لمسيس الحاجة إليه ، في نظم الفروع ، فنقول : الرخص في السفر أُثبتت في حكم الإعانة على ما يعانيه المسافر من مشاقِّه وكُلَفه ، ويبعد في وضع الشرع الإعانةُ على المعصية ، وهل يمسح العاصي بسفره يوماً وليلة ؟ فيه وجهان مشهوران : أحدهما - وهو الأظهر عند نَقَلَةِ المذهب أنه يمسح ؛ فإن هذا ليس من رخص المسافرين ؛ إذ المقيم يمسح يوماً وليلة . والثاني - لا يمسح ، وهذا موجه عندي بأنه تذرعّ إلى المعصية وتسرُّع إليها ، ولا فرق في ذلك بين ما يختص بالسفر ، أو لا يختص بعد أن يكون من الرخص . وقال شيخي : إذا كان الرجل مقيماً وكان يدأب في معصية لا تتأتى إلا بإدامة

--> ( 1 ) سبق أن أشرنا إلى أن ( الأساليب ) واحدٌ من كتب الإمام في الخلاف ، ولما نعرف له أثراً للآن .