عبد الملك الجويني

455

نهاية المطلب في دراية المذهب

" فعليهم والراعف أن يتمموا ؛ لأنه لم يكمل واحد منهم الصلاة ، حتى كان فيها في صلاة مقيم " وهذا إنما يتحقق في الراعف إذا عاد واقتدى ، ثم اقتداؤه يمكن أن يصور ابتداء على قولنا : إن من سبقه الحدث يبني على صلاته ، فيرفع المانع ، ويعود مقتدياً بالمقيم من غير ابتداء عقد . وسلك بعض الأصحاب مسلكاً آخر ، فقال : إذا فرّعنا على القول الجديد وقلنا : تبطل الصلاةُ ، فالراعف لا يُتم إذا لم يعد مقتدياً ، وإن فرعنا على القول القديم ، وهو أن من سبقه الحدث لا تبطل صلاته ، فعلى الراعف الإتمام ، وإن لم يقتد بالمستخلَف ؛ لأنه اجتمع مع مقيم في صلاة واحدة ، وقد يعضد هذا بأنه المتسبب إلى تقديمه وإلزام المقتدي به الإتمام . وهذا ضعيف لا أصل له ؛ فإنه لم يقتد بمقيمٍ أصلاً ، وقد نوى القصر ابتداء ، ثم هذا مع ضعفه غيرُ مستقيم في نظم الأقوال قديماً وجديداً ؛ فإن الاستخلاف في القديم باطل ، وصلاة الراعف في الجديد باطلة ، فلا يتسق هذا التفريع إذاً . فصل 1315 - قد ذكرنا أن من برز من وطنه ، ثم تذكر شغلاً ، فعاد إلى وطنه ، ليقضيه على الفور ، فلا يقْصُر في خِطة البلد الذي هو موضع إقامته . ولو برز كما ذكرناه ، ثم عزم على العود ، فقد صار مقيماً على مكانه ، فلا يقصر في ذلك المكان ما دام فيه ؛ فإنه بقَصْد الرجوع قد قطع سفره ، فصار على مكانه مقيماً لا يترخص ، فلا يتوقف انقطاع حكم السفر على العَوْد إلى البلد ، ثم إن بدا له في العود ، وأراد أن يستمر في صوب قصده ، فقصدُه الثاني لا يرفع قصدَه الأول ، بل يبقى حكم الإقامة حتى يفارقَ ذلك المكان ، هكذا ذكره الصيدلاني ، ولا وجه غيرُه . ولو نوى الرجوع وأثبتنا له حكم الإقامة على مكانه ، فإذا نهض راجعاً إلى بلده ، والمسافة قريبة ، فلا يقصر في طريقه ، ولا يقصر في البلد ، فإذا خرج من البلد ، فيقصر إذا كان سفره طويلاً .