عبد الملك الجويني
450
نهاية المطلب في دراية المذهب
1305 - ولو ابتدأ الذي في السفينة الصلاةَ ، وهو في حد الإقامة ، فليس في هذه الصورة كبيرُ فائدة ؛ فإنه إن نوى الإتمامَ أو نوى الصلاةَ مطلقة ، فتوقُّع القصرِ ، وهو لم ينو القصر ، لا معنى له ، وإن نوى القصر وهو في حدّ الإقامة ، فهو كمقيم مستقيم ينوي القصرَ . ولو نوى المقيمُ القصر في صلاة ، فهذا فيه شيء ، من جهة أنا مهدنا أن نية الترخص بالقصر تقتضي من طريق الضِّمْن الإتمامَ ، فكان يحتمل أن يقال : بطل قصد الترخُّص ، وثبت أصل التمام ، ونزل هذا منزلةَ ما لو نوى مسافرٌ القصرَ خلف من حسبه مسافراً ، ثم تبين أنه مقيم ، فإنه يلزم المقتدي الإتمامُ ، ولا تبطل صلاته ، فهذا وجه . ويظهر أن يقال : نية القصر من المقيم تُبطل صلاتَه ؛ فإنه غير معذورٍ في نيته بوجهٍ ، فالذي جاء به نيةٌ فاسدة ، وفساد النية يتضمن فساد الصلاة . ولست أعرف خلافاً أن الرجل لو نوى القصر على اعتقاد أنه مسافر ، ثم تبين أنه كان انتهى إلى الإقامة ، فيلزمه الإتمام ، وصلاته صحيحة ، وما ذكرته من قصد القصر في حق المقيم من غير تخيل ، وهو يشبه عندي من وجهٍ بما لو نوى المتوضىء بوضوئه استباحة صلاة الظهر دون غيرها ، ففي فساد النية خلاف مقدم في الطهارة ، ووجه التشبيه أن رفع الحدث إذا وقع التعرض له ، فإنه لا يتبعض ، وإذا قصد تبعيضَه ، فمن أئمتنا من أفسد النية ، وقال : كأنه لم ينو أصلاً ، ومنهم من حذف التخصيص من النية . والذي يجمع بين المسألتين أنه لو نوى صلاة الظهر ، لم يحتج إلى ربط القصد بأربع ركعات ، بل هي ترتبط بها شرعاً ، كذلك من نوى الاستباحة بوضوئه لو لم يعلق قصده بتعميم الاستباحة ، صح وضوؤه وجهاً واحداً ، ولو نوى استباحة الظهر ، ولم ينف غيره ، صح وضوؤه ، وعمَّ بلا خلاف . 1306 - ومما يدور في خلدي من ذلك أن المسافر لو نوى صلاة الظهر ركعتين جزماً ، ولم يخطر له الترخص بالقصر ، ففي نيته شيء ؛ فإن صلاة الظهر أصلها الأربع ، وإنما يقع الاقتصار على ركعتين ترخصاً ، وهذا ما قصد الترخّص ، ويظهر