عبد الملك الجويني
436
نهاية المطلب في دراية المذهب
1278 - فإن قيل : الثمانيةَ عشرَ في أي خبر صح ؟ وكيف وجه النقل فيه ؟ قلنا : هذا الذي سبب بإشكاله في النقل ، وها أنا ذاكره فأقول : كنت أظن قديماً أن الإقامة التي اختلفت الرواية في مدتها كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في محاصرة خيبر ، وهكذا سماعي عن شيخي ، ثم تبين لي أن اختلاف الروايات في سفرةٍ أخرى ، وقد روى أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بمكة عشراً ، وقد قدمتُ ذكرَ روايته ، وقد روى عمران بن حصين أنه أقام سبعة عشر يوماً ، وروى ابن عباس ثمانية عشر يوماً ، وروى جابر عشرين يوماً ، فاجتمع وجوهٌ من الإشكال ، منها أن الأصل في هذه المدة الغزو ، والظاهر أن الروايات لم تكن في غزاة ؛ فإنها جرت بمكة ، فوجه حل الإشكال أنه جرى من الفقهاء في هذا خبطٌ ؛ من جهة أنهم لما سمعوا أنه جرى ما جرى بمكة ، حملوه على سفر الحج ، والذي رَووْه من رواية أنس كانت في الحج قطعاً ، فأثبتوه في هذه القصة ، والصحيح أن هذه المدة في الإقامة التي اختلفت الرواية فيها في عام فتح مكة ؛ فإنه صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة ، أخذ يريد المسير إلى هوازن ، وكانت إقامته على تدبير الحرب ، فَلْيَفْهَم الفاهم ذلك . فأما رواية أنس فغلطٌ من الناقل في هذه السفرة ، فإنها كانت في الحج . بقيت رواية عمرانَ ، وابنِ عباس ، وجابر ، فمن أئمتنا من قال : في مدة الغازي ثلاثة أقوال مأخوذة من هذه الروايات ، ومنهم من قال : المعتبر ثمانيةَ عشرَ يوماً ، وما رواه جابر محمول على موافقة رواية ابن عباس ، فكأنه عدَّ يوم الدخول والخروج ، ورأى ابن عباس أن ينقل مدة الإقامة ، وهي ثمانية عشر ، ولا يتعرض ليوم الدخول والخروج ، فهذا وجه التصرف في الحديث ، وبيان ما وقع من ظن الفقهاء فيه ( 1 ) . 1279 - وقد بقي وراء ذلك أهمُّ شيء بالاعتناء به ، وهو نظام الفصل وترتيب القول فيه ؛ فإنه كبر قدره وانتشرت أطرافه ، فنقول : حال المسافر في التقسيم الأول ينقسم إلى مسافر لا شغل له ، وإلى ذي شغل يثبطه ( 2 ) : فأما من لا شغل له يثبطه ، فمدته
--> ( 1 ) هذا التصرف من الإمام في هذه الروايات ، أي الجمع بينها استحق الثناء من الحافظ ابن حجر حيث قال في التلخيص : وهو جمع متين . ( التلخيص : 2 / 96 ) . ( 2 ) ثبطه على الشيء : عوقه وبطّأ به ( المعجم ) .