عبد الملك الجويني

432

نهاية المطلب في دراية المذهب

ثم لم نكتف في ذلك بما أشرنا إليه ، حتى عضده الخبر والأثر ، أما الخبر ، فقد روي : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حرّم على المهاجرين الإقامة بمكة ، ثم رخص لهم إذا قدموا أن يمكثوا بعد قضاء النسك ثلاثاً " ( 1 ) ، وهذا ظاهر في أن هذا المقدار لا يُلحِق الماكثَ بالمقيم . وحرّم عمر على أهل الذمّة الإقامةَ في أرض الحجاز ، ثم أجاز لمجتازيهم المكث بها ثلاثة أيام ( 2 ) . ومذهب أبي حنيفة ( 3 ) أن أكثر مدة مُقام المسافر خمسةَ عشر يوماً ، وقد روَوْا عن أنس : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بمكة في حجة الوداع عشراً وهو يقصر فيها " ( 4 ) ، ولم ير الشافعي التعلق برواية أنس في سَفْرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجه ، وآثر على روايته روايةَ جابر ( 5 ) ؛ فإنه كان أحسن الرواة سوقاً لتفصيل أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالذي رواه أنس من العشر صحيح ، ولكن جابراً روى تفصيله ، وقد قدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة صبيحة رابعة مضت من

--> ( 1 ) حديث يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً ، متفقٌ عليه من حديث العلاء بن الحضرمي ( ر . التلخيص : 2 / 45 ح 605 ، واللؤلؤ : 313 ح 858 ، وهو عند البخاري ح 1832 وعند مسلم ح 1352 ) . ( 2 ) الأحاديث الواردة في إخراج اليهود ، والنصارى من جزيرة العرب ، والتي تؤكد بأنه لا يجتمع في الجزيرة دينان ، في غاية الصحة ، فهي عند البخاري ومسلم ، عن أكثر من صحابي ، راجع البخاري الأحاديث ح 2338 ، وأطرافه 2285 ، 2328 ، 2329 ، 2331 ، 2499 ، 2720 ، 3152 ، 4248 ، والأحاديث : 4028 ، 6944 ، 7348 ، وفي مسلم 1551 . وإما إجلاء عمر لمن بقي منهم ، وأنه أذن لمن يجتاز أو يدخل بالبقاء ثلاثة أيام فقط ، فانظر : مصنف عبد الرزاق : 6 / 51 ح 9977 ، 10 / 357 ، ح 19360 ، والسنن الكبرى : 9 / 207 ، 208 ، 209 ، وانظر التلخيص : 2 / 46 ح 609 . ( 3 ) ر . رؤوس المسائل : 175 مسألة : 76 ، حاشية ابن عابدين : 1 / 528 ، وبدائع الصنائع : 1 / 97 . ( 4 ) حديث أنس رواه الستة . ( نصب الراية : 2 / 184 ) . ( 5 ) حديث جابر في صفة حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، معروف باسم حديث جابر الطويل ، رواه مسلم في صحيحه . ( ر . مسلم : 1 / 886 ، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم ، ح 1218 ، التلخيص : 1 / 192 ح 283 ) .