عبد الملك الجويني

431

نهاية المطلب في دراية المذهب

فألحقنا يوم دخوله وخروجه بأوقات تردّدِه في طي المراحل . ومما يتعلق بتحقيق ذلك أنا إذا قلنا : لا يحتسب يوم دخوله ، أردنا النهار ، فحسب ، إن دخل نهاراً ، ولم نُرد اليوم بليلته ، ولو دخل ليلاً ، لم نحتسب عليه بقيةَ الليل ، فأما أن نقول : لا نحتسب بقية الليل ولا نحتسب الغد أيضاً ، فلا . وتعليلُ ما ذكرناه من ذلك واضح ، فإن لم نحتسب عليه يوم الدخول لما عليه من الشغل فيه ، فهذا لا يدوم يوماً وليلة . وما ذكرناه من مقام المسافر ثلاثة أيام ، فهي ثلاثة أيام بلياليها قطعاً ، والذي يغمض أنه لو انتهى المسافر إلى المنزل في بقيةٍ من النهار قريبة ، مثل أن كان انتهى إلى المنزل بعد وقت العصر قبل الغروب ، وكان يقع شيء من شغله في الليل لا محالة ، فالذي أراه أن بقية النهار ، والليلَ كلَّه غيرُ محسوب من المدة ، في هذه الصورة ، نظراً إلى الشغل ووقوعه في الليل ، فهذا إذا نوى مُقام ثلاثة أيام . وإن نوى مُقام أربعة أيام ، أو مُقام ثلاثة أيام ولحظة ، ولم تكن إقامته لشغل ، كأن يرتقب تجارة ، ولكنه جرَّد نية الإقامة في هذه المدة من غير شغل ، صار مقيماً ، وانقطعت عنه الرخص المشروطة بالسفر وفاقاً . 1273 - فخرج من ذلك أن المكث ثلاثة أيام من غير شغل تَودّع ( 1 ) محتمل في حق المسافر ، إذ لا يشترط أن يكون المسافر دائباً في حركاته ، وذلك غير ممكن ، ولا يتصور احتمال مشاق السفر إلا بتودع في البين ( 2 ) يُجمّ ( 3 ) المسافرَ ودوابَّه ، وإذا أفرط السكون ، كان ذلك مناقضاً لحال المسافر ، وكأن الثلاث فيما قيل آخر حدّ القلة ، وأول حد الكثرة ، وبها تحدد الخيار في البيع ، وأمدُ استتابة المرتد ، وغيرُهما ، فكان ذلك قصداً وسطاً .

--> ( 1 ) التودع : السكون ، والاستجمام . من تَوَدعّ : إذا صار صاحب دَعةٍ وراحة . ( المعجم ) . ( 2 ) البين : استخدم إمام الحرمين هذا اللفظ في البرهان ، وفي النهاية أكثر من مرة ، وهو يفهم من السياق ، وإن لم نجده - فيما وصلنا إليه من معاجم - منصوصاً . وهو هنا بمعنى الأثناء ، أي أثناء السفر . ( 3 ) من أجمَّ الإنسانَ والفرسَ . إذا تركه يستريح . ( المعجم ) .