عبد الملك الجويني

417

نهاية المطلب في دراية المذهب

القديم - أن القرشي مقدم لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " قدموا قريشاً ولا تتقدموها " ( 1 ) . والمنصوص في الجديد : أن السن مقدّم ، لما رويناه في صدر الباب ، أنه صلى الله عليه وسلم : ذكر بعد الفقه والقراءة السنَّ ، فقال : " وإن لم يكن ، فأقدمكم سناً " أو قال : " أكبركم سناً " ، قال العراقيون : إنما يؤثر كبرُ السن إذا كان في الإسلام ، فلو أسلم شيخ من الكفار ، فلا نقدمه لسن أتى عليه في الكفر . وهذا حسن بالغ . ثم كان شيخي يشير إلى الشيخوخة وروى فيها أخباراً ، مثلَ قوله صلى الله عليه وسلم : " من إجلالِ الله إجلالُ ذي الشيبة المسلم " ( 2 ) ، وهذا قد يُخَيِّل أن ابنَ الثلاثين مع ابن العشرين إذا اجتمعا ، وابنُ العشرين قرشي ، فالقرشيُّ مقدّم ، من حيث إن صاحبه ليس شيخاً ، ولكن أجمع أئمتُنا على أنا لا نعتبر الشيخوخة ، بل يكفي كبرُ السن . والحديث الذي رويناه دال عليه ، فإنه قال : " أقدمكم سناً " . والذي ذكره شيخنا في حكم من يخصص طرفاً من المسألة بنَصْبِ دليلِ فيه ، ومما نجريه في ذلك ، أنا قدَّمنا أن الورِع النازل في الفقه ، والفقيه الذي ليس بالفاسق إذا اجتمعا ، فالفقيه مقدم . ولو اجتمع مرموق في الورع ، ورجل مستور فقيه ، فالفقيه مقدّم . ولو اجتمع مشهور بالزهد والورع ، ورجل مستور أقدم منه سناً ، أو قرشي ، فهذا فيه احتمال . والذي يقتضيه قياسُ المذهب ، تقديمَ النسب والسن . والله أعلم .

--> ( 1 ) حديث : " قدموا قريشاً . . " رواه الشافعي ، والطبراني والبيهقي ، وابن أبي شيبة . قال الحافظ : وقد جمعت طرقَه في جزء كبير . ( ر . التلخيص : 2 / 36 ح 579 ، والسنن الكبرى : 3 / 121 ، والمصنف : 6 / 401 ، 402 ح 32386 ) . ( 2 ) حديث : " إن من إجلال الله . . . " رواه أبو داود من حديث أبي موسى الأشعري بلفظ : " إن من إجلال الله إكرامَ ذي الشيبة المسلم ، وحامل القرآن غير الغالي فيه ، والجافي عنه ، وإكرام ذي السلطان المقسط " ، وصححه الألباني ( ر . أبو داود : الأدب ، باب في تنزيل الناس منازلهم ، ح 4843 ، وصحيح أبي داود : 3 / 918 ح 4053 ، وصحيح الجامع : ح 2195 أو ح 2199 في الطبعة الجديدة . والمشكاة : ح 4972 ، وصحيح الترغيب : 1 / 93 ) .