عبد الملك الجويني
400
نهاية المطلب في دراية المذهب
عليه وسلم نهى عن ذلك ، فلو وقف وحده ، صحت الصلاة مع الكراهية ، والأولى لمن لا يجد موقفاً في الصف أن يجرّ أحداً من الصف ، والأولى لذلك الواحد المجرور أن يساعده ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك ، فهذا مما يتعلق بغرضنا في هذا النوع . 1224 - فأما النوع الثاني ، فنصدّره بأن نقول : المنصوص عليه في الجديد أن موقف المأموم إذا تقدم على موقف الإمام ، لم يصح اقتداؤه . وقال مالك : يصح اقتداؤه إذا كان يَشعر بصلاة الإمام ( 1 ) . وهذا قولٌ للشافعي في القديم . ولو كان موقف المأموم مساوياً لموقف الإمام ، ولم يكن متقدماً ولا متأخّراً ، جازَ ، والأدب أن يتأخر عن موقف الإمام قليلاً . ثم الاعتبار في الموقف بموقف العقبين من الأرض ، فإن شخص المقتدي قد يكون أطول فيتقدم موقع رأسه ، وإن تأخر ساوى موقع قدمه . وذكرتُ العقب ؛ فإنّ قدمَ أحدهما قد يكون أكبر من قدم الثاني ، فالعبرة بما ذكرته بلا خلاف . ومما يتعلق بهذا أن الناس يصلون في المسجد الحرام مستديرين حول الكعبة ، والإمام الراتب وراء مقام إبراهيم في جهة الباب ، فالذين يستديرون من وراء البيت وجوههم إلى وجه الإمام ، وتصح الصلاة بلا خلاف ، هكذا عُهد الناسُ في العُصُر الخالية ، حتى كأن الكعبة هي الإمام ، ولعل الحاجة أحوجت إلى تسويغ ذلك ؛ فإن الناس يكثرون في المواسم ، ولو كلفوا الوقوف في جهة واحدة ، لتعذّر ذلك . وقال الأئمة : إذا دخل الناس البيت ، فالجهات كلها قبلة ، فلا يمتنع أن يقف الإمام والمأموم متقابلين ، كما ذكرناه في الاستدارة حول الكعبة . 1225 - واختلف أئمتنا في صورة وهي أنه إذا كان بين الإمام في جهة وقوفه ، وبين
--> ( 1 ) الذي رأيناه عند المالكية أن تقدم المأموم على الإمام يصح مع الكراهة ، ( ر . الإشراف : 1 / 300 مسألة : 355 ، حاشية العدوي : 1 / 271 ، حاشية الدسوقي : 1 / 331 ، جواهر الإكليل : 1 / 79 ، القوانين الفقهية : 81 ) .