عبد الملك الجويني
38
نهاية المطلب في دراية المذهب
ثم لا يكاد يخفى معنى فرض الكفاية فيما ذكرناه . فإِذا قام بالأذان - الذي يبلغ أهلَ البلدة - رجل أو رجال ، سقطت فريضة الأذان عن الباقين ، وسيأتي فصل بعد ذلك في أنه إِذا سقط فرض الكفاية على رأي من يقول بالفرضيّة ، فكيف الترتيب في استحباب الأذان لآحَاد الناس بعد فراغ المؤذنين المسقطِين للفرض ؟ 679 - فإِن فرعنا على ما كان يصححه شيخي ، وقطع الصيدلاني به ، وهو أن الأذان سنة ، فلو أطبق أهل ناحيةٍ على تركه ، وتعطيل المساجد منه ، وقُدِّمَ إِليهم نذير ، فلم يقبلوا واستمروا عليه ، فهل يقاتَلون ؟ ما ذهب إِليه الأصحابُ أنهم لا يقاتَلون ، وحكَوْا عن أبي إسحق المروزي أنه قال : إِنهم يقاتلون ( 1 ) ، وإِن ( 2 ) حكمنا بأن الأذان في وضع الشريعة سنة ، واستدلّ هؤلاء بما روي أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في زمانه كانوا إِذا مَرُّوا بناحية ، ولم يسمعوا صوت الأذان ، صابحوا أهلها بالقتال . وربما تعلقوا من طريق المعنى بأن النفوس لا تطمئن إِلى إِماتة الشعائر الظاهرة إِلاَّ إِذا أضمروا ردَّ الشريعة ، واعتقدوا بطلانها . ونحن نقول ( 3 ) : أما الخبر ، فلا حجة فيه ؛ من جهة أنهم كانوا يَرَوْن ترك الأذان علامةً في أن أهل الناحية من الكفار ؛ إِذْ كانوا قاطعين بأن قابلي الإِسلام ، ومصدقي الرسل في علو الدين وصدمة الشريعة ، وصفوة الملة ، كانوا لا يتركون الأذان ، ولم يكن ذلك عندهم - في حُكم عرف الزمان - أمراً مظنوناً ، بل كان مقطوعاً به ، والدليل عليه أن أبا إسحق لما رأى نَصْب القتال إِنّما رآه إِذا أُنذروا ، فامتنعوا ، واستمروا ، وكان رسول الله وأصحابه يشنون الغارة على أهل النّاحية - إِذا علِموا أن لا أذان فيهم - من غير إِنذار وإِعلام ، وإِشعار . وأما ما ذكروه من إِنذار ترك الشعائر بالخلو عن الاعتقاد ، فليس وراءه حاصل ؛ فإِنهم إِذا اعتقدوا كون الأذَان سنة ، وتناجى بذلك الخواص والعوام ، وشهروا فيما بينهم ، وانضم إِلى ذلك عسر القيام بدرك مواقيت الصلاة ، فينبني عليه ترك الأذان على
--> ( 1 ) ر . الغياثي : فقرة 291 . حيث قطع إمام الحرمين هناك بأنهم يقاتَلون . ( 2 ) أي مع حُكمنا بأن الأذان سنة . ( 3 ) أي ردّاً على القائلين بقتالهم .