عبد الملك الجويني

367

نهاية المطلب في دراية المذهب

فإنهم وإن أظهروا الجماعة ، لا يحصل بهم ظهور الشعار ، وقد ذكرنا أن الإنسان في نفسه لصلاته لا يتعرض لهذا الفرض ، وإنما المرعيّ فيه أمرٌ كليٌ عائد إلى شعائر الإسلام ، فهذا ما أردناه في ذلك . 1168 - ثم كثرة الجَمْع مرغوب فيها ، وقد روينا الخبر الدّالّ عليه ، وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : " من صلى مع واحد كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء ، ومن صلى مع اثنين ، فإنه له مثل أجرهما من غير أن ينقص من أجرهما شيء " ( 1 ) ، وحيثما كثرت الجماعة فهو أفضل . ولو كان بالقرب من منزل الإنسان مسجد ولو تعداه ، لتعطّل ، ولو أقام فيه الشعار ، لقامت الجماعة بسببه ، فهو أولى من قصد الجماعة الكثيرة ، وإن كان المسجد لا يتعطل بسبب تعديه عنه ومجاوزته ، فالمذهب أن فضل الجماعة الكثيرة أولى . وذكر بعض أصحابنا أن رعاية حق الجوار لذلك المسجد أولى ، وذلك غير سديد ؛ فإن صح النقل فيه ، فسببه أنه قد يخطر قصد الجماعة الكثيرة لغيره ، فيؤدي ذلك إلى تعطيل المسجد ، ولعل ذلك في مسجد السكة ، فأما إذا كان على طريقه ، وكان أقرب من المسجد المشهود ، فلا ينقدح الوجه الضعيف في هذه الصورة . فصل 1169 - يجوز ترك الجماعة بالمعاذير ، وهي تنقسم إلى أعذار عامة ، وإلى أعذار خاصة . فالعامة : كالمطر وما في معناه ، وذكر بعض المصنفين في الوحل خلافاً ؛ من حيث إنه يتأتى الاستعداد له . والأظهر أنه عذر ؛ فإن في التخطي فيه عسراً ظاهراً ، وهذا إذا لم يتفاحش . والرياحُ الشديدة أعذار بالليل ، وليست أعذاراً بالنهار .

--> ( 1 ) لم نصل إلى هذا الحديث مع طول بحثنا في مظانه المختلفة .