عبد الملك الجويني

306

نهاية المطلب في دراية المذهب

سئل عن التداوي بالخمر ، فقال : " إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم " ( 1 ) . وقد حكى شيخي عن بعض الأصحاب جواز التداوي بالخمر عند ظهور الضرورة ، وإذا انتهت التفاصيل إلى ذلك فتذكر فيه ( 2 ) . وهذا القائل يحمل حديث الخمر على علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن السائل عن التداوي بها كان لا ينتفع بها ، وهذا بعيد في التأويل ، ولكن إذا تمهد في الشرع تحليلُ الميتة حالة المخمصة ، وهذا في التحقيق مداواة للضرورة ودَرْء للمخمصة . ثم أجمع الأئمة على جواز التداوي بجملة الأعيان النجسة ، [ وإن ] ( 3 ) كان في التداوي نوع من الإشكال ؛ من جهة أن درءَ الجوع بالميتة معلوم ، والاطلاع على أن الأدوية تنفع وتنجع بعيد ، وحذاق الصناعة لا يجزمون القولَ بنفع الأدوية وإن تناهَوْا في علومهم ، وسنذكر ذلك في كتاب الأطعمة إن شاء الله تعالى . وقد نص الشافعي رحمه الله على أن من غُصّ بلقمة ، ولم يجد إلا خمراً يُسيغها ، فإنه يستعمل منها ما يسيغها ، وإنما قال ذلك ؛ لأن إساغة الغُصة معلومة ، بخلاف نفع الدواء . ومما يتعلق به أحمد ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " في أبوال الإبل وألبانها شفاء الذَّرب " ( 4 ) وهذا لا دليل فيه ؛ لأنه مخصوص بالمداوة .

--> ( 1 ) حديث " إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم " رواه الطبراني في الكبير من حديث أم سلمة ، ورمز له السيوطي بالصحة ، ورجاله رجال الصحيح ، ورواه أبو يعلى ، وابن حبان ، والبيهقي ، قال في المهذب " وإسناده صويلح " وقال ابن حجر : ذكره البخاري تعليقاً عن ابن مسعود ، قال : وقد أوردته في تغليق التعليق من طرق صحيحة " ا . ه - . ( ر . البخاري : الأشربة ، باب شراب الحلواء مع العسل ، الطبراني في الكبير : 23 / 356 ، ابن حبان : 2 / 335 ح 1388 ، أبو يعلى : ح 6966 ، البيهقي : 10 / 5 ، التلخيص : 4 / 140 ، 141 ، ح 2112 ، فيض القدير للمناوي ) . ( 2 ) " فتذكّر " : ضبطت في ( ت 1 ) بفتح الكاف مشددة . وفي ( ت 2 ) : " فنذكر " بالنون ، ومثلها جاءت ( ل ) . ( 3 ) في جميع النسخ : " فإن " والمثبت تبعنا فيه نسخة ( ل ) . ( 4 ) رواه أحمد في مسنده من حديث ابن عباس رضي الله عنه ، بلفظ : " إن في أبوال الإبل وألبانها شفاء للذرية بطونهم " . ( ر . المسند : 1 / 293 ) . =