عبد الملك الجويني
295
نهاية المطلب في دراية المذهب
1056 - فأما ما عدا ذلك من ضروب النجاسات ، كالبول ، والعذرة ، وغيرهما ، فلا عفو فيها ، قلَّت ، أو كثرت ، ولا يستثنى منها إلا عفو الشرع عن الأثر اللاصق بسبيل الحدث ، عند الاقتصار على الأحجار في الاستجمار ، وذلك عند الشافعي مخصوص عن جميع جهات النظر ، والمتّبع فيه الخبر فحسب . واتخذ أبو حنيفة ( 1 ) ذلك ( 2 ) أصلاً في جميع النجاسات المغلّظة عنده ، ورَاه قدر الدرهم البغلي . وهذا نظرٌ حائد عن جهة قطْعِنا بأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطرُدوا هذا العفو في كلِّ نجاسةٍ في كلِّ محل ، وكانوا أوْلى من يفهم ذلك من الشارع ، لو كان صحيحاً ؛ فإذن لا قياس على الاستنجاء ، ولا عفو فيما عدا الدم الموصوف . 1057 - وتردد نص الشافعي رحمه الله فيما لا يدركه الطرف لا لخفاء لونه ، ولكن لصغر قدره ، فقال مرة : لا عفوَ مع تيقن الاتصال . وقالى في موضعٍ : إنه يعفى عنه . وقيل : إنه استشهد عليه بأن السلف كانوا لا يحترزون عن عَوْد الذباب الواقعة على النجاسة وقت قضاء الحاجة إلى ثيابهم ، وفي هذا الاستشهاد نظر ، من جهة أن أرجل الذباب تجف في الهواء بين ارتفاعها من النجاسة ، ووقوعها على الثوب ، وآية ذلك أنه لا يظهر لذلك أثر على الثوب ، وإن كثر ، والقليل إذا توالى ، وكثر ، ظهر كوَنيم ( 3 ) الذباب ؛ فإن ما يتوالى منه يظهر على الثوب ، وأيضاً ، فإن التزام ذب الذباب عسر ، وهو ملحق بالغبار الذي يلحق بدنَ الإنسان ، وهو ثائر من الدِّمَن والمزابل ، والمواضع النجسة ، فهذا معفو عنه ، وإن كان واقعاً قطعاً ؛ من جهة أن التحرز لا سبيل إليه . 1058 - ومما يتصل به أن الذي لا يُعفى عنه من النجاسات ، إذا صلى الإنسان معها ، وهو غير شاعر بها ، فإذا تحلل عن الصلاة ، واستبان الأمر ، فالمنصوص في الجديد
--> ( 1 ) ر . مختصر الطحاوي : 21 ، مختصر اختلاف العلماء : 1 / 131 مسألة : 20 ، الهداية مع فتح القدير : 1 / 177 . ( 2 ) " ذلك " إشارة إلى العفو عن نجاسة موضع الاستجمار . ( 3 ) الوَنِيم : خُرء الذباب . ( المعجم ) .