عبد الملك الجويني
28
نهاية المطلب في دراية المذهب
" من أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشمس ، فقد أدرك العصر " وهذا قد تمسك المزني بمفهومه . وليس في الحديث ما يدل على التعرض لزوال الضرورات ، بل ظاهر معناه : إِن تلبس بفعل الصلاة وتحرم بها ، صار مؤدياً للصلاة ، ولم يكن قاضياً إِذا أدرك مقدار ركعة ، وهذا يدل على توجيه ما سبق من ذكر الأداء والقضاء في وقوع بعض الصلاة وراء الوقت . ثم الجواب السديد عن الحديث ، أن ما ذكره الفقهاء من إِدراك مقدار تكبيرة فليس مما يفرض وقوعه ، ويقدّر تعلق الحسّ بهِ ، وإِنما ذكروه تقديراً لبيان مناط الأحكام على التقديرات ، وإِن كان لا يقع ، ومقصود حَمَلَةِ الفقه في التقديرات بيانُ مأخذ الأحكام ، وتمهيد طرق الاستنباطات في مواقع الإِمكان ، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يتعرض لمثل هذا ، وإِنما ينوط حكمَه وقضاءه بما يقدّر وقوعه ، وأقلُّ ما يحصل إِدراكه مقدارُ ركعة ، ولعلّه لا يفرض أيضاً إِلا مع الترصد ، وإِحضار الذِّهن ، فجرى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما يقع ، وهو اللائق بمنصبه ، وجرى كلام الفقهاء على التقدير . 667 - ومما يتعلق به المزني أنه قال : " إِدراك الجمعة يختص بمقدار ركعة ، ولا يحصل بأقلَّ منها " ( 1 ) وهذا الذي ذكره غير واقع ؛ فإِن الأصل إِقامة الصّلاة أربع ركعات ، والجمعة مُغَيَّرةٌ عنها بشرائط ، والقياس ، أن من عَدِم الجماعة في جميعها أو في شيء منها ، لم يكن مدركاً لها ، وكان مردوداً إِلى الركعات الأربع ، ففي إِدراك الجمعة إِسقاطٌ للرَّكعتين ، فكان حكم الإِيجاب أغلب ، وهذا المساق يقتضي أن يُغلَّب حكم الإِيجاب في مسألتنا ، ويكتفى بمقدار تكبيرة . ونظير ما نحن فيه : لو أوقع المسافر تكبيرةً في الحضر وهو في السفينة ، فَجَرَت ، يلزمه الإِتمام ، وإِن لم يتم ركعة في حالة الإِقامة ، فهذا بيان القولين . 668 - ثم أجمع علماؤنا على أنها تصير مدركةَ الظهرَ على الجملة بإِدراك وقت العصر ، وإِنما الاختلاف في أنها بماذا تصير مدركة لها ؟ فقال الشافعي في قولٍ : مهما
--> ( 1 ) ر . المختصر : 1 / 58 .