عبد الملك الجويني

243

نهاية المطلب في دراية المذهب

بين سجدتي السهو ، وبين سجدة التلاوة في هذا ، إلا أن سجدة التلاوة فَرْدة ، والسهو سجدتان . ونحن نقطع بأن لا يعود الساجد على هذا القول إلى الصلاة . ولو أحدث ، لم تبطل صلاته أصلاً . وقد قال أبو حنيفة ( 1 ) : إنه يسلم ، ثم يسجد ، وزعم أنه يعود إلى الصلاة ، فلو أحدث ، بطلت صلاته ، وهذا كلام متناقض ، ولا معنى للخروج من الصلاة والعود إليها ، وهذا مذهب لم يصر إليه أحد من أصحابنا في التفريع على هذا القول . فإن رأينا أن يتشهد : اشتراطاً ، أو استحباباً ، كما يفعل ذلك في سجدة التلاوة ، فإنه يتشهد بعد السجدتين ، كما ذكرناه في سجود التلاوة . وحكى الشيخ أبو علي عن الأستاذ أبي إسحاق أنه كان يقول حيث انتهينا إليه في التفريع : إنه يتشهد قبل السجدتين ، لتقع السجدتان آخراً ، وفي سجود التلاوة يتشهد بعد السجود . وهذا متروك عليه ، وهو غير معدود من المذهب . وقد اعتمد فيه على تقديم السجود على السلام ؛ إذ تخيل تقديمَ التشهد على السجود ، هذا إذا أراد السجود متصلاً . فأما إذا سلم وطال الفصل ، ثم أراد أن يسجد سجدتي السهو بعد طول الفصل ، فقد ذكر الصيدلاني وجهين : أحدهما - أنه لا يقع الموقع ، وطول الفصل يفوّته ؛ فإن السجود وإن كان يقع بعد التحلل ، فهو متصل بالصلاة ، فيجب رعايةُ حقيقة الوصل فيهما ، وهذا كالتسليمة الثانية إذا أمرنا بها ، فإنها تقع بعد التحلل بالتسليمة الأولى ، ولكن شرط الاعتداد بها أن تكون متصلة . والثاني - أنه يقع الموقع وإن طال الفصل ؛ فإنه في حكم الجُبران لما وقع في الصلاة وهو مشبه بجبرانات الحج ، ثم الجبرانات إن وقعت في الحج أجزأت ، وإن وقعت بعده متصلة ، أو منفصلة أجزأت . ثم إن قلنا : إذا انفصل وطال الفصل ، فقد فات السجود ، فينزل هذا منزلة سجدة التلاوة إذا فاتت ، وقد ذكرنا قولين ، في أنها هل تقضى أم لا ؟ ويجري القولان في سجود السهو لا محالة .

--> ( 1 ) ر . بدائع الصنائع : 1 / 174 .