عبد الملك الجويني
220
نهاية المطلب في دراية المذهب
المضطر في صلاة الفريضة ؟ فيه اختلاف . ولعل الأصحَّ المنعُ ؛ فإنه خروج عن هيئة المصلّين بالكلية . قلت : ومن جوَّز ذلك في النفل ، فما عندي أنه يجوز الاقتصار على ذكر القلب في القراءة والتكبير والتشهد والتسليم ، وهذا يُضعف أصلَ الوجه ؛ فإن ذكر القلب إلى قراءة اللسان أقرب من إجراء أمثال الأفعال في الفكر مجرى صورها فعلاً . ولو ارتكب المفرع على هذا الوجه الضعيف جواز الاكتفاء بقراءة القلب ، كان طارداً للقياس ، ولكنه مسرفٌ في الخروج عن الضبط ، منتسب إلى الاقتحام . 944 - وأنا أذكر في ذلك تحقيقاً ينتجح به طالب الفقه ، فأقول : قد ذكرنا فيما تقدم في كتاب الطهارة من تقاسيم الضرورات والمعاذير ، أنا لا نشترط في القعود في الصلاة المفروضة - بدلاً عن القيام نهايةَ الضرورة ، وعدمَ تصوّر القيام في الإمكان . وأنا أقول الآن : ينبغي أن يُشترط في الاضطجاع في الفريضة الضرورةُ ، وعدمُ تصور القعود ، أو خيفةُ هلاك ، أو مرضٍ طويلٍ ، وأرى أقربَ المراتب شبهاً بهذا رتبةَ المتيمم في مرض وجُرحٌ به ، وقد سبق ذلك مفصلاً . وعلى الجملة لا أكتفي في ترك القعود بالاضطجاع بما أكتفي به في ترك القيام بالقعود . ولعل الشرع جوز التنفل قاعداً تهويناً لأمر القيام ، والذي يوضّح الغرضَ في ذلك أن الأئمة لما قسموا الأعذار إلى العامة والنادرة ، عَدّوا ما يقعد المصلي لأجله من الأعذار العامة ، والمرض الذي لا يتصور معه القيام ليس بعام ، ولكنهم لما اعتقدوا أنه يُكتفى في القيام بما دون الضرورة ، ألحقوا ذلك بما يعم ، وأما ما يضطجع المصلي لأجله ، فإنهم ألحقوه بما يندر ويدوم ، وهذا مشعر بما ذكرته من اشتراط مزيد ضرورة في الاضطجاع ( 1 ) . ثم إذا صلّى المريض على حسب الإمكان ، لم يلزمه القضاء ، فإنه إن قعد ، فالعذر عام ، وإن اضطجع ، فالعذر نادرٌ دائم ، وقد ذكرنا أنه لا قضاء في القسمين جميعاً .
--> ( 1 ) عبارة ( ت 2 ) فيها زيادة وسقط ، هكذا : . . . في الاضطجاع ( فالعذر نادر دائم ) وقد ذكرنا .