عبد الملك الجويني

209

نهاية المطلب في دراية المذهب

إلى الله ، وأجمعها لهذا الغرض الصلاة ، ولذلك وجب فيها الانقطاع عن أفعال العادة ، والانكفافُ عن خطاب الآدميين ، والاستواء في صوبٍ واحد وتلقاءٍ واحد ، وهو القبلة ؛ فإن الانكفاف عن هذه الملهيات والانكبابَ على الأذكار يحصر الذهن ويذكر الحقائق ، وقليل الأكل ينافي هذا الغرض ، فإن لم نوجب الصوم ، ألحقنا الأكل في الصلاة بالأفعال ، وقد تفصَّلَ المذهب فيها . وهذا بعيد جداً ، فإن أوجبنا الصوم ، فكل ما يفسِد الصوم يفسِد الصلاة ، وسيأتي تفصيل مفسدات الصوم في كتابه إن شاء الله تعالى . 925 - ومما يتعلق بهذا الفصل أن المصلي لو زاد ركوعا أو سجوداً عمداً ، بطلت صلاته عندنا ، وإن كان الركوع الواحد لا يبلغ مبلغ العمل الكثير ، وأبو حنيفة ( 1 ) لا يُبطل الصلاةَ بزيادة ركن ، ويرعى فيها كثرةَ الفعل وقلَّته ، ومعتمدنا أن الكثرة والقلة لا تُعنيان لأعيانهما ، وإنما المتبعُ المعنى ، فزيادة ركن يُظهر مخالفة النظم ، ويعتبر بضدّ الأركان ، وأما الأفعال ، فلا بد من جريان قليلها في ضرورة الجبلّة ، والقول في كثيرها ما سبق ، وسنعود إلى هذا في باب السجود إن شاء الله تعالى . فصل 926 - ما أدرك المسبوق ، فهو أولُ صلاة المأموم ، وإن كان آخر صلاة الإمام ، وقد يخالف أبو حنيفة ( 2 ) في هذا ، ويقول : ما أدركه محسوب له آخراً ، وهو يتدارك الأول ، وما ذكرناه له آثار ، نشير إليها ، فنقول : إذا أدرك المسبوق الركعة الأخيرة من صلاة الصبح ، وقنت الإمام فيها ، فإذا قام المقتدي واستدرك ما فاته ، قنت ثانياً ؛ فإن القنوت وقع في أول صلاته ، ولكنه وقف ( 3 ) اتباعاً للإمام ، ووفاء بما نواه والتزمه من المتابعة .

--> ( 1 ) ر . حاشية ابن عابدين : 1 / 315 ، 316 . ( 2 ) ر . المبسوط : 1 / 190 ، مختصر اختلاف العلماء : 1 / 293 مسألة : 251 ، رؤوس المسائل : 166 مسألة : 69 . ( 3 ) كذا في جميع النسخ الأربع ( وقف ) ولعل الصواب : " وقع " أو " قنت " .