عبد الملك الجويني
141
نهاية المطلب في دراية المذهب
والمعتبر فيه أن يسكت سكوتاً يُشعر مثله بأن القراءة قد انقطعت ، إما باختيار أو بمانع - فهذا هو السكوت القاطع للولاء . وأما تخلل الذكر ، فالذي ذكره الأئمة أنه إذا أدرج القارئ في أثناء القراءة ذكراً تسبيحاً ، أو تهليلاً ، فتنقطع موالاة القراءة ، وإن كان ذلك الذكر قليلاً واقعاً في زمان لا ينقطع الولاء بالسكوت في مثله . وقد صح عندنا أنا وإن كنا نشترط اتصال الإيجاب بالقبول في العقود ، فلو تخلل بين الإيجاب والقبول كلام من أحدهما قريب لا يضر تخلله ، على تفصيل وضبط سيأتي في موضعه ، ونص الشافعي دال على ذلك ، فإنه قال في كتاب الخلع : " لو قال لامرأتيه : خالعتكما ، فارتدتا ، ثم قالتا : قبلنا ، ثم عادتا إلى الإسلام ، قبل انقضاء العدة ، فالخلع صحيح " ( 1 ) ، وقد تخللت كلمة الردّة . ولو تخلل بين الإيجاب والقبول سكوت طويل ، لم ينعقد العقد . فتخلل السكوت استوى فيه القراءة والعقد ، وافترقا في تخلل الذكر ، والسبب فيه أن من أدرج ذكراً في أثناء القراءة ؛ فإنه يجري في انتظام القراءة حتى كأنه منها ، وذلك يُغيّر النظمَ والترتيبَ والإعجازَ . والإيجابُ والقبول صادران من شخصين ، وقد ورد التعبد باتصال الجواب بالإيجاب ؛ فإن للجواب اتصالاً - في مطرد العرف - بالخطاب يكون لأجله جواباً ، والسكوت الطويل إذا تخلل يقطع الجوابَ عن الإيجاب . وإذا صدر كلام يسير عن أحد المتعاقدَيْن ، لم يُشعر مقداره بإضراب المخاطب عن الجواب - لم يضر تخلله . وفي القراءة يختلط الذكر بالمقروء ، ويجري في أدراجه ، وليس هذا من قبيل ما ذكرناه من رعاية الاتصال بين الإيجاب والقبول . فيخرج من ذلك أن تخلل الذكر ليس مؤثراً في القراءة من حيث يقطع ولاءها ، ولكن من حيث يغير نظمَها . ولو فرض سكوت في أثناء القراءة لا يقطع مثلُه الولاء ، وفرض فيه ذكرٌ يسير ، لا بصوت القراءة ، بحيث لا ينتظم بالقراءة ، فلست أبعد في هذه الصورة أن يقال : لا تنقطع القراءة ، والله أعلم .
--> ( 1 ) ر . الأم : 5 / 185 .