عبد الملك الجويني
121
نهاية المطلب في دراية المذهب
النيّة ؛ فإن الوفاء بذلك عسرٌ ، ثم شَرَطَ ألاّ يأتي بما يناقض جزمَ النيّة ، وإن لم يشترط إدامة ذكر ما جزمه . والتردّد يناقض الجزم . وهذا بمثابة الإيمان ، فإنا نكلف المرء أن يطلب عقداً مستمرّاً على السداد ، ثم لا نكلّفه استدامتَه ، بل يطَّردُ عليه حكم الإيمان ، غير أنّا نشترط ألا يتشكّك عقدُه . ثم من الأسرار التي يتعين الوقوف عليها أن الموَسوس قد يجري في نفسه التردّد ، وليس هو التردد الذي حكمنا بكونه قاطعاً مبطلاً ، ولكن الإنسان قد يصور في نفسه تقدير التردد لو كان كيف كان يكون ، وذلك من الفكر والهواجس ، ولو أبطل الصلاة ، لما سلِمت صلاةُ مفكر موسوس . والتردد الذي عنيناه هو أن ينشئ الإنسان التردّدَ في الخروج على تحقيقٍ ، من غير تقدير ، وتكلف تصوير ، وقد يطرأ على نفس المبتلَى بالوسواس تقدير الشرك بالله ، مع ركونه إلى استقرار المعتقد ، ولا مبالاة به . والعاقل يفصل بين هذه الحالة ، وبين أن يعدَم اليقين ، ويصادف الشك . 786 - ومما يتعلق بحكم الصلاة في ذلك أن المصلي لو نوى في الركعة الأولى جَزْمَ الخروج في الركعة الثانية ، فهو يخرج عن الصلاة في الحال ؛ فإنه قطع موجب النية ؛ إذ موجبها الاستمرار إلى انتهاء الصلاة ، وقد نجز في الحال قطعُ مقتضاها في ذلك . ولو علق نيّة الخروج على أمر يجوز أن يُفرض طريانه ، ويجوز ألا يفرض - مثل أن ينوي الخروج لو دخل فلان - فهل يقتضي بطلانَ الصلاة أم لا ؟ وجهان مشهوران ، أقْيَسُهما : بطلانُ الصلاة ؛ فإن الذي جاء به تردّد فيها يخالف موجب النيّة ، ويناقض مقتضى استمرارها . والوجه الثاني : أن الصلاة لا تبطل ؛ فإنه لا يمتنع ألا يدخلَ مَن ذكره ، وتتم الصلاة على مقتضى ما أحدثه من التردد ، وهذا غير سديد . فإن حكمنا ببطلان الصلاة في الحال ، فلا كلام . وإن حكمنا بأن الصلاة لا تبطل في الحال ، فلو وجدت الصفة التي علق الخروج عليها ، وكان ذاهلاً عما قدّمه من تعليق النيّة ، فهذا فيه احتمال . وحفظي عن الإمام ( 1 ) أن الصلاة لا تبطل ، وإن حدثت
--> ( 1 ) المراد والده .