عبد الملك الجويني
109
نهاية المطلب في دراية المذهب
ولو أصبح الصبي صائماً في يوم من رمضان ، فبلغ في أثنائه ، فقد وافق أبو حنيفة ( 1 ) والمزني أصحابنا في أنه لا يجب قضاء ذلك اليوم . واعتلَّ أبو حنيفة بأن الصوم لا يجب في هذا اليوم بسبب طريان البلوغ ؛ فإن بقية اليوم لا يسع صوم يوم ، ولا يتصور إيقاع بعض اليوم في الليل . وأئمتنا قالوا : لا يلزم القضاء ، واختلفوا في العلّة ، فمنهم من علل بما ذكرته ، ومنهم من قال : سبب سقوط القضاء وقوعُ صوم هذا اليوم عن الفرض ؛ قياساً على ما لو بلغ الصبي في أثناء صلاة الظهر ، ويظهر أثر هذا التردّد فيه إذا بلغ الصبي مفطراً في يومه ، فمن أصحابنا من قال : لا يجب قضاء هذا اليوم ؛ فإن البلوغ طرأ عليه ، ومنهم من قال : يجب القضاء ؛ فإنه لم يقع فيه صوم ، وقد صار مكلفاً فيه . وقرّبوا هذا الخلاف من القولين فيه إذا قال : لله عليَّ أن أصوم يوم [ يقدم ] ( 2 ) فلان فيه ، فقدِم نصفَ النهار ، فهل يجب على الناذر قضاءُ يوم ؟ فيه القولان المشهوران ، على ما سيأتي ذكرهما . ثم ذكر ابن الحداد : أن الصبي إذا صلى يوم الجمعة صلاة الظهر ، ثم بلغ - والجمعة لم تفت بعدُ - فعليه أن يقيم صلاة الجمعة ، وليس كما لو صلى العبد الظهر ، ثم عَتَق ، والجمعة بعدُ غير فائتة ، فإنه لا يلزمه الجمعة ، وكذلك المسافر إذا صلى الظهر ، ثم نوى الإقامة والجمعة غير فائتة ، وفرق بأن الصبي لم يكن من أهل الفرض ، والعبد والمسافر كانا من أهل الفرض ، لما صلّيا الظهر . وقد صار معظم الأئمة إلى تغليطه ، ونسبته إلى الوقوع في مذهب أبي حنيفة ؛ فإن مذهب الشافعي أن الصبي إذا صلى صلاة الظهر في أول الوقت في غير يوم الجمعة ، ثم بلغ في الوقت ، فلا إعادة عليه ، وإن لم يكن الصبي مكلفاً لما صلى الظهر ، فهذا منتهى كلام القفال ( 3 ) وأصحابه .
--> ( 1 ) ر . الأصل : 2 / 233 ، 235 ، مختصر اختلاف العلماء : 2 / 15 مسألة 498 . والمبسوط : 3 / 88 . ( 2 ) الأصل ، ( ت 2 ) ، ( ط ) " يقوم فلان فيه " والمثبت من ( ت 1 ) . ( 3 ) إشارة إلى ما نسبه آنفاً إلى ( القفاليين ) .