عبد الملك الجويني

105

نهاية المطلب في دراية المذهب

وما قدمناه للأصحاب لا أراه شافياً . فإن طلب طالب منا أن [ نَحُدَّ ] ( 1 ) ما يقع من الالتفات مظنوناً ، وما يقع مقطوعاً به ، دلّ بطلبه على غباوته وعدمِ درايته بمأخذ الكلام ، فليس ذلك أمراً يتصوّر أن يصاغ عنه عبارة حادّة ضابطة ، وكيف يفرض ذلك ؟ والأمر يختلف ويتفاوت بتفاوت المسافات ، والقرب والبعد ؟ فالأمر محال على معرفة البصير بأدلة القبلة ، وقد تناهى وضوح ذلك إن شاء الله تعالى . فهذه أصول الاجتهاد والتقليد في القبلة . وأنا أرسم بعدها فروعاً توضح بقايا في نفوس الغوّاصين - إن شاء الله تعالى . فرع : 761 - إذا اجتهد الرجل وصلى صلاة إلى جهة ، فلمّا دخل وقت الصلاة الثانية ، تغير اجتهاده من غير قطعٍ بإصابة وخطأ ، فلا شك أنه يصلي الصلاة الثانية إلى الجهة التي اقتضاها اجتهاده الثاني ، وكذلك لو تغير اجتهاده ثالثاً في صلاة أخرى حتى صلى صلواتٍ باجتهادات إلى جهات ، فالذي قطع به الأئمة ، ودلّ عليه النص ، أنه لا يجب قضاء شيءٍ من تلك الصلوات ؛ فإن كل صلاة منها مستندة إلى اجتهاد ، ولم يتحقق الخطأ في واحدة منها . 762 - وذكر صاحب التقريب وجهاً مخرجاً : أنه يجب قضاء هذه الصلوات كلِّها ، ولا يخرج هذا الوجه إلا على قولنا : إن من اجتهد وأخطأ يقينا يلزمه القضاء ، وهذا وإن كان ينقدح ويتّجه ، فهو بعيد في الحكاية ، وتوجيهه - على بعده - أنه صلى معظم هذه الصلوات إلى غير القبلة ، ونحن نفرِّع على أن من استيقن الخطأ في صلاة معينة ، يلزمه قضاؤها ، والخطأ هاهنا مستيقن ، وإن لم يكن معيناً ، فينزل صاحب الواقعة منزلةَ من فسدت عليه صلاة من الصلوات الخمس ، وأشكل عليه عينها ، فإنه يلزمه قضاء الصلوات كلّها ، ولا فرق بين الصورة التي ذكرناها في الاجتهادات ، وبين ما استشهدنا به إلاّ أن الصلوات هاهنا استندت إلى اجتهادات ، ونحن نفرعّ على أن من

--> ( 1 ) في جميع النسخ : يجد . وهو تصحيف واضح ، والمثبت تقدير منا برعاية السياق وتوفيق الله . ثم جاءت ( ل ) بنفس التصحيف : ( نجد ) .