عبد الملك الجويني
9
نهاية المطلب في دراية المذهب
يوضئه وضوءاً تاماً ، ثلاثاً ثلاثاً . وذكر الشيخ أبو بكر أنه يأتي بالمضمضة والاستنشاق . وظاهر هذا أنه يوصل الماء إلى داخل فيه وأنفه ، ولا يكتفي بإيصال الماء إلى مقادم الثغر والمنخرين ، وكان شيخي يقول : يكتفي بإيصال الماء إلى ثغره ومنخره ، وهذا معنى المضمضة فيه ، وكذلك القول في المنخرين . والذي أرى القطعَ به أن أسنانَه إن كانت متراصة ، فلا ينبغي أن يتكلف الغاسل فكّها ، وفتحها ، لمكان المضمضة ، وإن كان فمه مفتوحاً ففي إيصال الماء إلى داخل فمه وأنفه تردد من الأئمة . والسبب فيه أنه قد يبتدر الماء إلى جوفه ، فيكون ذلك سبباً في تسارع الفساد والبلى إليه ، ونحن مأمورون برعاية صونه جهدنا ، وإن كان مصيره إلى البلى . ثم إذا فرغ من ذلك وضَّأه ، وتعهد شعره وسرّح لحيته ، وشعرَ رأسه إن كان ذا لِمّة ، وكانت قد تلبّدت ، حتى لا يمتنع بسببها وصول الماء إلى أصول الشعر ، ويستعمل مشطاً واسع الأسنان ، وَيرْفُقُ جهده ؛ حتى لا ينتف شعره ، ثم يضجعه على شقه الأيسر ويبتدىء غسله ، فيصب الماء على رأسه ، وعنقه وشقه الأيمن كلِّه ، إلى فخذه ، وساقه ، ورجله ، ثم يلقيه على قفاه برفق ، ويضجعه على شقه الأيمن ، ويغسل شقه الأيسر ، كما تقدم ذكره في الأيمن ، وهذه غسلة واحدة ، وهو في ذلك كلِّه يُتبع الماءَ يدَه دلكاً ، وعليها خرقة . ثم ذكر الشافعي أنه بعد كل غسلة ، يُجلسه ، ويمرّ يده على بطنه ويردّه ، ولكنه يتحامل في المرة الأولى قبل ابتداء الغسل ، ويرفُق في غيرها من الكرَّات على حسب ما تقتضيه الحال ، ثم يغسله ثانية وثالثة ، فإن حصل النقاء المطلوب ، وإلا غسله خمساً أو سبعاً ، هكذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم اللّواتي كنّ يغسّلن ابنته زينب فقال : " اغسلنها ثلاثاً ، خمساً ، سبعاً " ( 1 ) ، والإيتار مرعي عند محاولة الزيادة على الثلاث ، ولا مزيد على الثلاث من غير حاجة .
--> ( 1 ) حديث : " اغسلنها ثلاثاً . . . " متفق عليه عن أم عطية ، ولكن عندهما بعد قوله : خمساً : أو أكثر من ذلك . ( اللؤلؤ والمرجان : 1 / 189 ، باب غسل الميت ، ح 544 ، والتلخيص : 2 / 107 ح 741 ) .