عبد الملك الجويني

29

نهاية المطلب في دراية المذهب

1675 - ومما ذكره الأئمة أنه لا ينبغي أن يدخل اثنان في قبرٍ إلا عند موَتان ( 1 ) والعياذ بالله ، فإذا كثر الموتى أو ضاق المكان ، فلا بأس بذلك ، وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال : " احفروا وأوسعوا ، واجعلوا الرجلين والثلاثة في قبر " ( 2 ) ، ثم ينبغي أن يقدم الأفضل إلى جدار اللحد مما يلي القبلة ، ثم يليه مَنْ يليه في الفضل ، وإذا جمعنا بين أم وبنت ، قدمت الأم على البنت . قال الصيدلاني : الأم والابن إذا جمعا عند حاجة قدم الابن لمكان الذكورة ، ولا وجه في هيئة الوضع غيره . ومنع الأئمة الجمع بين النسوة والرجال ما بقي في الامتناع منه اختيار ، فإن ظهرت الحاجة ، فإذ ذاك . ثم قال الشافعي : ينبغي أن يجعل بين الرجل والمرأة حاجزٌ من تراب . 1676 - والمقدار الذي يلحق بما يجب في الباب الدفن في حفرة يعسرُ على السباع في غالب الأمر نبشها ، والتوصل إلى الميت فيها ، وإذا كان كذلك ، فلا يقتصر على أدنى احتفار . ومما يُرعَى أن تكتم روائحُ الميت ، فهذان المعنيان يجب رعايتهما . وقد قيل : الأوْلى أن يكون عمق القبر بمقدار بسطة ، وهي قامة رجل وسط . 1677 - ثم يُكره للرجل أن يجلس على قبر ، أو يتخذه متكأ ، وكذلك يكره أن يتوطأ ( 3 ) الماشي في مشيه شفير قبر ، ولا يجوز البناء في المقابر على قبرٍ ، فإن موضع البناء يشغل مواقع القبور ، التي تقدر في تلك الأماكن ، فإن لم يكن في مقبرة مشتركة ، فلا بأس بالبناء .

--> ( 1 ) الموتان عكس الحيوان . أي الحياة ، والمراد هنا كثرة الموت بالوباء ونحوه ، قال الزمخشري : يقال : وقع في الناس : ( موتان ) بفتح الميم وضمها ( أساس البلاغة ، والمعجم ) . ( 2 ) حديث : " احفروا ، وأوسعوا ، وأعمقوا " رواه أحمد ، وأصحاب السنن الأربعة ، من حديث هشام بن عامر ، وصححه الألباني . ( ر . أبو داود : الجنائز ، باب في تعميق القبر ، ح 3215 ، وصحيح أبي داود : 2 / 19 ح 2754 ، والترمذي : كتاب الجهاد ، باب ما جاء في دفن الشهيد ، ح 1713 ، والنسائي : كتاب الجنائز ، باب ما يستحب من توسيع القبر ، ح 2013 ، وابن ماجة : كتاب الجنائز ، باب ما جاء في حفر القبر ، ح 1560 والتلخيص : 2 / 127 ح 780 ) . ( 3 ) توطّأ الرجل الشيء برجله : داسه . ( المعجم ) .