عبد الملك الجويني
20
نهاية المطلب في دراية المذهب
المال إلاّ في ثوبٍ واحد ، فلا كلام . وإن قلنا : إنه يكفن في ثلاثة أثوابٍ من بيت المال ، فلو خلّف ثوباً واحداً سابغاً ، فهل يُكتفى به على هذا الوجه ، أم يستكمل الثلاث من بيت المال ؟ فعلى وجهين ذكرهما . أحدهما - وهو الة جاس على ذلك أنا نكمل ؛ فإنا نرى الثلاث حتماً على هذا الوجه الذي عليه التفريع ، فتكميلها من بيت المال كابتدائها . والثاني - لا يُكمل ؛ فإن المتوفَّى إذا خلف ثوباً ، فليس هو من أصحاب الضرورات في ذلك ، ولا يُتعدّى ما خلفه إلى جهة بيت المال . 1660 - ثم استكمل صاحب التقريب بيانَ هذا الفصل على أحسن سياقَة . فقال : أطلق الأئمة في الطرق أن أقل الكفن ثوبٌ واحد سابغ ، ثم رددوا أجوبتهم في الثلاثة كما ذكرناه ، وتحصيل القول في ذلك : أن الثوب الواحد السابغ تظهر فيه رعايةُ حق الله تعالى ، ولا يجوز الاقتصار على ما يستر العورة ، وإن كان يبدو من الميت شيء ، لم يجز إلا إذا لم نجد سابغاً ، فنضطر إلى الاكتفاء ، وعليه يحمل ما روي " أن مصعب بنَ عمير ، لما استشهد بأحد وكانت عليه نمرة ( 1 ) إذا ستر بها رأسه ، بدت قدماه ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُدرج فيها ويوضع على قدميه شيء من الإذخر " ( 2 ) . وهذا محمول على أنه لم يوجد ما يستره ستراً سابغاً في ذلك الوقت ، فأما تكفين الميت في ثلاثة أثواب في حق الغرماء ، والورثة ، وفي حق بيت المال ، فهو مما يتعلق برعاية حق المتوفى في نفسه ، كما ذكرناه في ثيابه التي تُبَقَّى عليه ، إذا أفلس ، وأحاطت به الديون . ثم حقق هذا بأن قال : لو أوصى الميت بألا يكفن إلا في ثوب واحد ، كَفَى الثوبُ الواحد السابغ ؛ فإنه بوصيته رضي بإسقاط حقه . ولو قال : رضيت بأن تقتصروا على ما يستر عورتي ، فلا أثر لوصيته في ذلك ، ويجب تكفينه في ثوب سابغ ساترٍ لجميع بدنه .
--> ( 1 ) في هامش الأصل : " النمرة كساءٌ ملوّن " ( وأضاف المعجم ) به خطوط بيض وسود . ( 2 ) حديث : " كفن مصعب " متفق عليه ، من حديث خباب ، رضي الله عنه . ( اللؤلؤ والمرجان : بابٌ في كفن الميت 1 / 190 ح 547 ) .