عبد الملك الجويني

38

نهاية المطلب في دراية المذهب

وقد ذكر الشافعي الكراهيةَ ، وأراد به التحريمَ ، [ وهو يعتاد ذلك كثيراً ، والدليل على التحريم ] ( 1 ) الوعيد المنقول عن النبي عليه السلام . وحكى العراقيون قولاً للشافعي في أن استعمالَها مكروه غيرُ محرم ، ولم يعرِف المراوزة ذلك ، ونقلوا نصاً للشافعي في نفي التحريم مجملاً ( 2 ) ، ثم أوّلُوه ، وحملوه على أن المشروب في نفسه ليس بمحرّمٍ ، فليقع التعويل على التحريم . ثم سلك الصيدلاني ، وشيخي ، وغيرُهما مسلكاً أسرُده على وجهه ، ثم أذكر المختار عندي . قد قالوا : للأئمة طريقان : منهم من خصّص التحريم بالنقدين من غير رعاية معنىً ، وزعم أن اختصاص التحريم بهما كاختصاص أحكامٍ بهما من القراض والنقدية وغيرهما . ومنهم من تخيل معنىً محرماً : وهو إفراط الخيلاء والتزيّي بزي الأعاجم ، ثم بنَوا على هذا مسائلَ الفصل ، كما سيأتي . والذي أراه أن معنى الخيلاء لا بد من اعتباره ؛ فإنه مما يَبتدر إلى الفهم ، وإذا أمكن اعتبارُ المعنى ، فحسمه مع القول بالمعاني بعيد . وسأخرّج على ذلك تفريعَ المسائل في الفصل . 44 - قال الأولون : إذا اتَّخَذَ إناء نفيساً من غير التبرين ، فإن كان سببُ نفاسته حسنَ الصيغة ، لم يَحرُم استعمالُه كَالزُّجاج ؛ فإن مستعمله لا يُنسب إلى السَّرف والخُيلاء . وإن كانت سبب النفاسة عزة الجوهر كالفيروزج ، وما في معناه ، فجواز استعماله مخرج على اختلاف الأئمة في اعتبار المعنى . فمن خَصّص التحريمَ بالتبرين ، لم يُحرِّم غيرَهما . ومن اعتبر الفَخر والسَّرف ، حرّم ما علت قيمتُه بجوهره ، لتحقق المعنى المعتبر . 45 - وأنا أقول : يَبعد حَسمُ باب النظر مع إمكانه ، وقد أجمع القيَّاسون على

--> ( 1 ) ساقط من الأصل ، وأثبتناه من ( م ) ، ( ل ) . ( 2 ) في ( م ) : " ونقلوا أيضاً للشافعي سلك في نفي التحريم محملا ثم أولوه " . وهو تصحيف ظاهر . وفي ( ل ) : " ونقلوا أيضاً للشافعي في نفي التحريم محملاً ، ثم أولوه " .