عبد الملك الجويني

16

نهاية المطلب في دراية المذهب

وإن كان مقدارُ الماوَرْد الخليِّ عن الطعم قليلاً ، بحيث لو فرض له طعمٌ ، لم يظهر طعمُه في هذا المقدار من الماء ، فالوجه أن ننُبّه على مثار الإشكال في ذلك ، ثم نوضّح المذهبَ . فنقول : إذا كان مخالطُ الماء جامداً ، وكان يسيراً مغموراً ، فالجاري على أعضاء الطهارة ماءٌ ( 1 ) لا شك فيه ، وإذا كان المخالط مائعاً ، فقد نعتقد أنه لم يجرِ على البدن الماءُ المحض ، فمن هذه الجهة تردد الأئمةُ على ما أصف مسالكهم . فأقول : إن كان مع الرجل مقدار من الماء لا يستوعب بدنَه في الغُسل ، فصبّ عليه من المَاوَرْد ما كمّله ، وكان مقدارُ المَاوَرْد مع ذلك قليلاً ، على ما سبق طريقُ اعتبار القلة ، فمقدار الماء يجوز استعماله من هذا المختلط ، وهل يجوز استعمال الزائد عليه ؟ فعلى وجهين : أحدهما - وهو مذهب أبي علي الطبري ( 2 ) على ما ذكره العراقيون : أنه لا يجوز استعمال الزائد عليه ؛ لأنّا لو جوزناه ( 3 ) - وإنّما كمل مقدار الوضوء بالمخالِط - فنعلم قطعاً أن الماء لم يعم أعضاءَ الوضوء . قال العراقيون : هذا غلطٌ منه ، والصحيح استعمال الزائد ؛ فإن المخالط مغمور ، فكأن المختِلطَ ماءٌ كله . وكان شيخي يصحح الوجه الأول ، ويزيّف ما صحّحه العراقيون ، ويعتلّ بما وجهنا به ذلك الوجه .

--> ( 1 ) عبارة ( م ) : " ماءٌ وغيره ، وهذا لا شك فيه " . ( 2 ) أبو عليّ الطبري ، ويعرف أيضاً بصاحب الإِفصاح . وهو الحسين بن القاسم ، وهو عند أبي إسحاق الشيرازي في طبقاته وابن خلكان ، والنووي في التهذيب " الحسن بن القاسم " وكذا عند ابن النديم في " الفهرست " . توفي سنة 350 ه - . وهو من أصحاب الوجوه المشهورة في المذهب ، وصنف في " أصول الفقه " ، وفي " الجدل " وفي " الخلاف " ، وهو من تلاميذ أبي علي بن أبي هريرة ( طبقات الفقهاء للشيرازي : 94 ، وفيات الأعيان : 2 / 76 ، تهذيب الأسماء واللغات : 2 / 261 ، طبقات الإِسنوي : 2 / 154 ، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي : 3 / 280 ، والفهرست لابن النديم : 300 ) . ( 3 ) جواب " لو " : فنعلم قطعاً أن الماء لم يعم أعضاء . وعبارة ( م ) : لأنا لو جوزناه ، كمل مقدار الوضوء بالمخالط . . . .