عبد الملك الجويني

11

نهاية المطلب في دراية المذهب

الباب موافقٌ لهذه الطريقة ؛ فإنه قال في ذكر ما لا يجوز التَوضؤ به ، أو غير ذلك ، مما لا يقع عليه اسم ماء مطلق : " حتى يضافَ إلى ما يُخالطه أو خرج منه " وهذا ظاهرٌ في أن أدنى تغيّر لا يُؤثر . 9 - وذكر طوائفُ من أئمتنا مسلكاً آخر في ضبط مقصود هذا الباب ، ونفتتحه بالقول في المتغير بمخالطة ما يمكن صون الماء عنه . ذهب أئمّةُ العراق إلى أن الماء إذا تغيّر بالزعفران وما في معناه أدنى تغيّرٍ ، خرج عن كونه طهوراً ، وهذا ما كان ينقله شيخي ( 1 ) عن القفال ( 2 ) . ولست أرى لهذا المسلك وجهاً سديداً ، لكنّي أذكر الممكنَ في توجيهه ، فأقول : لعلّ هؤلاء يقولون : المكلّفون فهموا من ذكر الماءِ في الطهارات أنه شيء لطيفٌ عامُّ الوجود ، يقلع آثار النجاسات ، ولا يُكسب ما يُغسَل به صفةً في نفسه ، وقوله تعالى : { وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا } [ الفرقان : 48 ] يشير إلى الماء الباقي على صفاتِ فطرته ، والماءُ المتغيّر - على هذا التقدير - خارجٌ عمّا فُهم من صفة الماء ، والماء الكثير الذي لا يقبل النجاسة ما لم يتغيّر ، إذا تغيَّر بها أدنى تغيّرٍ ، صار نجساً ، فتغيُّرُ الماء القليل بمخالطة الطاهرات ، كتغيّر الماء الكثير بالنجاسة على موجَب هذه الطريقة . فأمّا ما يتغيّر بالمجاورة ، كالماء المتغيّر برائحة الكافور الصلب وغيرِه ، فيجوز التوَضؤ به عند هؤلاء ، وإن كانوا يكتفون في المخالطَة بأدنى تغيّر ؛ فإنّ اكتساب الماءِ رائحةَ الكافور الواقع فيه كاكتسابه رائحة الكافور بالقرب منه غيرَ واقعٍ فيه .

--> ( 1 ) شيخي : يريد والده رضي الله عنهما ، فهو أستاذه الأول ، وهو أبو محمد : عبد الله بن يوسف الجويني إِمام عصره ، تفقه على أبي الطيب الصُّعلوكي ، وقدم " مرو " قصداً لأبي بكر بن عبد الله بن أحمد القفال المروزي ، شرح المزني ، وشرح الرسالة للشافعي ، كان ورعاً ، دائم العبادة ، مبالغاً في الاحتياط ، توفي سنة 438 ه‍ ( سير النبلاء ج 11 ورقة 137 ، طبقات السبكي 5 / 73 - 93 ) . ( 2 ) سبقت ترجمته ، وقلنا : إِن المراد به القفال المروزي ، المعروف بالصغير ، وهذا عند الإطلاق دائماً .