عبد الرحيم العراقي

19

شرح التبصرة والتذكرة

وقولي : ( ثُمَّ حيثُ احْتِيْجَ لَكَ في شَيءٍ اروهِ ) ، بيانٌ للوقتِ الذي يحسنُ فيهِ التَّصَدِّي للإسماعِ ، والتَّحْدِيْثِ . فإنْ كانَ قد احْتِيْجَ إلى ما عندَهُ ، فقدِ اختلفَ فيه كلامُ الخطيبِ ، وابنِ الصلاحِ في الوجوبِ والاستحبابِ ، فلهذا أتيتُ فيهِ بصيغةِ الأمرِ الصالحةِ لهما في قولي : ( اروهِ ) . قالَ الخطيبُ في كتابِ " الجامع " : فإن احتيجَ إليهِ في روايةِ الحديثِ قبل أنْ يعلوا سنُّهُ فيجبُ عليهِ أَنْ يُحدِّثَ ، ولا يمتنعَ ؛ لأنَّ نشرَ العلمِ عندَ الحاجةِ إليهِ لازمٌ ، والممتنعُ مِن ذلكَ عاصٍ آثمٌ . وقالَ ابنُ الصلاحِ : والذي نقولُهُ أنهُ متى احتيجَ إِلَى ما عندَهُ استحبَّ لَهُ التَّصَدِّي لروايتهِ ، ونشرِهِ في أيِّ سنٍّ كانَ . وروينا عن أبي محمدَ بنِ خَلاَّدٍ الرَّامَهُرْمُزِيُّ في كتابهِ " المحدِّث الفاصل " ، قالَ : الَّذِي يصحُّ عندي من طريقِ الأَثرِ والنَّظَرِ في الحدِّ الَّذِي إذا بَلَغَهُ الناقلُ حَسُنَ بهِ أنْ يُحدِّثَ ؛ هو أنْ يستوفيَ الخمسيْنَ ؛ لأنَّها انتهاءُ الكهولةِ ، وفيها مجتمعُ الأَشُدِّ . قالَ : ( ( وليسَ بمستَنْكَرٍ أنْ يُحَدِّثَ عندَ استيفاءِ الأربعينَ ؛ لأَنَّهَا حَدُّ الاستواءِ ، ومنتهى الكمَالِ ، نُبِّيءَ رَسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وهو ابنُ أربعينَ ، وفي الأربعينَ تتناهى عزيمةُ الإنسانِ وقَّوتُهُ ويتوفرُ عقلُهُ ويجودُ رأيُهُ ) ) . وتعقَّبَهُ القاضي عياضٌ في كتابِ " الإلماع " ، فقالَ : واستحسانُهُ هذا لا تقومُ لهُ حُجَّةٌ بما قالَ ، وكمْ مِنَ السلفِ المتقدِّمِيْنَ ، ومَنْ بعدَهُمْ مِنَ الْمُحَدِّثِيْنَ مَنْ لم ينتِهِ إلى هذا السنِّ ، ولا استوفى هذا العمرَ ، وماتَ قبلَهُ ، وقد نَشَرَ مِنَ العلمِ ، والحديثِ ما لا يُحصَى . هذا عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ تُوُفِّيَ ولم يُكْمِلِ الأربعينَ ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ لم يبلغِ الخَمْسِيْنَ .