الشيخ الجواهري
32
جواهر الكلام
يستغفر له من في السماوات والأرض حتى الطير في الهواء والحيتان في الماء " ( 1 ) وأن عالما ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد " ( 2 ) إلى غير ذلك من الفضائل التي لا تحصى كثرة على وجه يقطع ذو الفطرة السليمة الواقف على تمام ما ورد في فضيلة العلم والعلماء أنه أفضل السعادات وأشرف الكمالات ، وأنه ينبغي تقديمه على كل فضيلة ، وإيثاره على كل طاعة ، سواء في ذلك التزويج وغيره ، وما ورد في الأخبار من فضل النكاح ليس مما يداني فضيلة العلم ، ولا مما يقاربه ، فلا يصلح المعارضة به ، ولا الشك في أفضلية العلم بسببه ، وإن لم يذكر ذلك صريحا فيما ورد به ، كما هو واضح بأدنى تأمل ، فالواجب حينئذ تقديمه على ما يضاده ويعارضه ، والاجتهاد في قطع ما يقدر عليه من العوائق الشاغلة والعلائق المانعة عن تحصيله ، أو عن الاستكمال فيه ، ولا ريب أن التزويج من أكبر الشواغل وأعظم الموانع حتى اشتهر " أن العلم ذبح في فروج النساء " وقيل : " من تعود أفخاذ النساء لم يفلح " . لكن قد يناقش بأن النزاع هنا في التفاضل بين طبيعتي النكاح والتخلي للعبادة من حيث هما نكاح وتخل للعبادة ، من غير اعتبار خصوصية في النكاح أو التخلي ، بل بمجرد النظر إلى الجنسين ، نحو قولك : " الرجل خير من المرأة " والتفاضل بينهما على هذا الوجه لا يقتضي أفضلية كل فرد من النكاح على القول بأفضلية ولا العكس ، بل يجوز على الأول أن يكون بعض أفراد التخلي أفضل منه نظرا إلى خصوصيته وإن كان مفضولا ومرجوحا بالنظر إلى طبيعته ، وحينئذ يكون التفصيل المزبور ضايعا ، ضرورة كون النظر فيه إلى خصوصيات الأفراد ، والنظر في المسألة إلى نفس الطبيعتين ، فلا ينسلك التفصيل في جملة أقوال المسألة ولا يعد من احتمالاتها ، كما يؤيد ذلك حصر الأصحاب الأقوال في المسألة في القولين ، حيث إنهم بعد أن نقلوا الخلاف عن الشيخ في استحباب النكاح لمن لم تتق نفسه قالوا : إنه على القول بالاستحباب فهل هو أفضل أم التخلي ؟ فيه قولان .
--> ( 1 ) كنز العمال - ج 5 ص 203 - الرقم 4139 ولم يذكر فيه " الطير في الهواء " . ( 2 ) أصول الكافي - ج 1 ص 33 .