الشيخ الجواهري

11

جواهر الكلام

القسط والعدل المشعر بكون الأمر لانتفائه في المأمور به وسلامته عنه ، وذلك قرينة واضحة على إرادة الرخصة منه من غير التفات إلى الوجوب والندب ، والمعنى حينئذ إن خفتم أن لا تعدلوا في يتامى النساء إذا تزوجتم بهن فانكحوا ما طاب لكم من النساء من غيرهن ، فإنهم كما قيل كانوا يتزوجون اليتامى اللاتي في حجورهم ، طمعا في المال أو رغبة في الجمال ، فيجتمع عند الواحد منهم منهن ما لا يقدر على القيام بحقه ، أو إن خفتم أن تجوروا على من لكم الولاية عليهم من يتامى النساء بأخذ أموالهن وصرفها في مؤن تزويجكم فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ، ولا تزيدوا حتى لا يحوجكم إلى ذلك ، فقد قيل : إن الرجل من قريش كان يتزوج العشر من النساء وأكثر ، فإذا أعدم تناول من أموال اليتامى المولى عليهم ، فنزلت هذه الآية ( 1 ) أو غير ذلك مما قيل في الآية مما هو مشترك فيما ذكرناه من عدم الالتفات فيه إلى الوجوب والندب ، وأنه لا يراد منه سوى الرخصة والإباحة ، نحو قول القائل : " إن خفت من ضرر هذا الطعام فكل من ذلك " فإن المفهوم أن الطعام المأمور به خال عن الضرر مرخص في أكله ، وأما أن أكله مطلوب ومراد فلا يفهم منه ، على أن المفهوم من الآية المنع عما زاد على الأربع ، ومن ثم استدلوا بها على حصر الجواز في ذلك ، بل أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند نزولها من كان عنده أزيد من أربع بإمساك الأربع وتسريح البواقي ( 2 ) وذلك إنما يصح لو كان الأمر للإباحة ، فإن مفهوم العدد حينئذ يقتضي تحريم الزيادة ، بخلاف ما لو كان الأمر للندب ، فإنه يقتضي حينئذ عدم استحبابها ، وهو أعم من تحريمها ، والأمر سهل بعد تعدد الأدلة على المطلوب غيرها آية ورواية .

--> ( 1 ) تفسير الطبري ج 4 ص 233 . ( 2 ) الموجود في سنن البيهقي ج 7 ص 149 وغيرها في هذا الباب أنه صلى الله عليه وآله أمر بإمساك أربع ومفارقة سائرهن بالنسبة إلى من أسلم وكان عنده عشرة أو ثمانية نسوة .