الشيخ الجواهري

265

جواهر الكلام

نعم قد أمرنا باقرار أهل الذمة منهم على ما عندهم من الأحكام ، وليس ذلك حكما بالصحة ، وبه يجمع بين من أطلق البطلان كالماتن ونحوه ، وبين من خص ذلك بما إذا كان الموصي مسلما ، والأمر سهل . ( و ) كيف كان فقد عرفت فيما تقدم أن ( الوصية عقد جائز من طرف الموصي ) فله الرجوع بها حينئذ ( ما دام حيا ، سواء كانت بمال أو ولاية ) بلا خلاف بل الاجماع بقسميه عليه ، بل النصوص فيه مستفيضة أو متواترة . لكن اطلاق العقد عليها بناء على اعتبار الموت في صحة قبولها نوع مسامحة ، إذ هي ما دام حيا ليست إلا إيجابا ، أما بناء على صحته منه في الحياة ووقع منه فصدق العقد عليها حينئذ حقيقة ، ولعل ذلك هو المراد للمصنف ، ويستفاد . حكم الايجاب وحده حينئذ بطريق أولى ، وإن كان قد عرفت فيما تقدم الاشكال في كونها من العقود المتعارفة من غير هذه الجهة ، فلاحظ وتأمل . وخص الموصي مع أن حكم الجواز مشترك بينهما في الجملة ، لبيان أنها بالنسبة إليه لا تكون إلا جايزة ، سواء حصل لها قبول أو لا ، بخلافها بالنسبة إلى الموصى له ، فإنها قد تكون جائزة كما في حال الحياة حصل منه قبول أو لا ، وبعد الوفاة قبل القبول أو بعده قبل القبض ، بناء على اعتباره في الملك ، ولازمه بعد الوفاة والقبول والقبض ، أو الأولين فقط بناء على عدم اعتبار القبض في الصحة واللزوم ، كما هو الأصح على ما عرفته سابقا والله هو العالم . ( ويتحقق الرجوع ) من الموصي ( بالتصريح ) به لفظا بلا خلاف نحو رجعت أو نقضت ، أو فسخت ، أو لا تعطوه ما أوصيت به له ، أو بما يفيده ظاهرا أيضا نحو : هذا لوارثي ، أو ميراث عني أو حرام على الموصى له ، أو نحو ذلك مما يستلزم بطلان الأولى . خلافا لبعض الشافعية ، فلم يبطلها بالمثال الأول ، قياسا على عدم البطلان فيما لو أوصى بعين لزيد ثم بها لعمرو ، بل يشتركان فيها . وفيه : مع بطلان القياس منع الحكم في المقيس عليه ، ضرورة التضاد بينهما لامتناع حصول الملك لكل منهما ، والطارية رافعة لحكم الأولى عرفا بل شرعا ، لأن العمل