ابن حبان

17

صحيح ابن حبان ( تحقيق الأرنؤوط )

تِلْكَ اللَّيْلَةَ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ أُصْبِحُ وَأَبْكِي . وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ، وَهُوَ حِينَئِذٍ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَشِيرَهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ ، وَذَلِكَ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ ، فَأَمَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالذي يعلم من براءة أهله وماله فِي نَفْسِهِ لَهُمْ مِنَ الْوِدِّ ، فَقَالَ : هُمْ أَهْلُكَ وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا ، وَأَمَّا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَقَالَ : لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ ( 1 ) ،

--> ( 1 ) قال الحافظ في ( الفتح ) 8 / 468 : وهذا الكلام الذي قاله عليٌّ حمله عليه ترجيحُ جانب النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَى عنده من القلق والغمِّ بسبب القول الذي قيل ، وكان صلى الله عليه وسلم شديد الغيرة ، فرأى عليٌّ أنَّه إذا فارقها سكن ما عنده من القلق بسببها إلى أن يتحقق برائَتها ، فيمكن رجعتها ، ويُستفاد منه ارتكابُ أخفِّ الضررين لذهاب أشدهما . وقال النووي : رأى عليٌّ أن ذلك هو المصلحة في حق النبي صلى الله عليه وسلم واعتقد ذلك لما رأى من انزعاجه ، فبذل جهده في النصيحة لإرادة راحة خاطره صلى الله عليه وسلم ، وقال الشيخ أبو محمد بن أبي حمزة : لم يجزم عليٌّ بالإشارة بفراقها لأنه عقب ذلك بقوله : ( وسل الجارية تصدقك ) ، ففوض الأمر في ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فكأنه قال : إن أردت تعجيلَ الراحة ففارقها ، وإن أردت خلاف ذلك ، فابحث عن حقيقة الأمر إلى أن تطّلع على برائتها ، لأنه كان يتحقق أن بريرة لا تُخبره إلا بما علمته ، وهي لم تعلم من عائشة إلا البراءة المحضة ، والعلة في اختصاص عليّ وأسامة بالمشاورة أن عليّاً كان عندَه كالولد ، لأنه ربّاه من حال صغره ، ثم لم يُفارقه ، بل وازداد اتصاله بتزويج فاطمة ، فلذلك كان مخصوصاً بالمشاورة فيما يتعلق بأهله لمزيد اطلاعه على أحواله أكثر من غيره ، وكان أهل مشورته فيما يتعلق بالأمور العامة أكابر الصحابة كأبي بكر وعمر ، وأما أسامة فهو كعليّ في طول الملازمة ومزيد الاختصاص والمحبة ، ولذلك كانوا يُطلقون عليه أنه حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخصَّهُ دون أبيه وأمه لكونه كان شاباً كعليّ ، وإن كان علي أسَنَّ منه ، وذلك أن للشباب من صفاء الذهن ما ليس لغيره ، ولأنه أكثر جرأة على الجواب بما يظهر له من المُسن ، لأن المسنَّ غالباً = =