ابن حبان

345

صحيح ابن حبان ( تحقيق الأرنؤوط )

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا تُوَاصِلُوا " قَالُوا : إِنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ : " إِنِّي لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى " ( 1 ) . قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : هَذَا الْخَبَرُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَخْبَارَ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ وَضْعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ هِيَ كُلُّهَا أَبَاطِيلُ وَإِنَّمَا مَعْنَاهَا الْحُجَزُ لَا الْحَجَرُ ، وَالْحُجَزُ طَرَفُ الْإِزَارِ إِذِ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا كَانَ يُطْعِمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسْقِيهِ إِذَا وَاصَلَ ، فَكَيْفَ يَتْرُكُهُ جَائِعًا مَعَ عَدَمِ الْوِصَالِ حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى شَدِّ حَجَرٍ عَلَى بَطْنِهِ ، وَمَا يغني الحجر عن الجوع ( 2 ) ؟

--> ( 1 ) إسناده صحيح على شرط البخاري . وأخرجه البخاري " 1961 " في الصوم ، باب : الوصال ، عن مسدَّد بهذا الإسناد . وأخرجه أبو يعلى " 2972 " عن أبي خيثمة ، عن يحيى القطان ، به . وأخرجه أحمد 3 / 173 و 202 و 276 ، والدارمي 2 / 8 ، وأبو يعلى " 3052 " و " 3215 " ، وابن خزيمة " 2069 " من طرق عن شعبة . وقد قال جمهور أهل العلم في قوله صلى الله عليه وسلم " أطعم وأسقى " : هو مجاز عن لازم الطعام والشراب وهو القوه ، فكأنه قال : يعطيني قوة الآكل والشارب ، يفيض علي ما يسد مسد الطعام والشراب ، ويقوى على أنواع الطاعة من غير ضعف في القوة ، ولا كلال في الإحساس . أو المعنى : أن الله يخلق فيه من الشبع والري ما يغنيه عن الطعام والشراب قلا يحس بجوع ولا عطش . ويحتمل أن يكون المراد أنه سبحانه يشغله بالتفكير في عظمته ، والتملي بمشاهدته ، والتغذي بمعارفه ، وقرة العين بمحبته ، والاستغراق في مناجاته ، والإقبال عليه ، عن الطعام والشراب ، وإلى هذا جنح الإمام ابن القيم ، وقال : قد يكون هذا الغذاء أعظم من غذاء الأجساد ، ومن له أدنى ذوق وتجربة يعلم استغناء والجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الجسماني ، ولا سيما الفرح المسرور بمطلوبه الذي قرت عينه بمحبوبه . ( 2 ) قد أكثر أهل العلم من الرد على المصنف في هذه الدعوى التي انتهى إليها ، وأبلغ ما يرد عليه به - كما قال الحافظ - أنه أخرج في " صحيحه " من حديث ابن عباس قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم بالهاجرة ، فرأى أبا بكر وعمر ، فقال : " ما أخرجكما ؟ " قالا : ما أخرجنا إلا الجوع ، فقال : " وأنا والذي نفسي بيده ما أخرجني إلا الجوع " فهذا الحديث يرد ما تمسك به ، وأما قوله " وما يغني الحجر عن الجوع " فجوابه : أنه يقيم الصلب ، لأن البطن إذا خلا ربما ضعف صاحبه عن القيام لانثناء بطنه عليه ، فإذا ربط عليه الحجر ، اشتد وقوي صاحبه على القيام .