ابن حبان

160

صحيح ابن حبان ( تحقيق الأرنؤوط )

وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَلَامِنَا أَيُّهَا ( 1 ) الثَّلَاثَةُ ، فَجَعَلْتُ أَخْرُجُ إِلَى السُّوقِ ، وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ ، وَتَنَكَّرَ لَنَا النَّاسُ حَتَّى مَا هُمْ بِالَّذِينَ نَعْرِفُ ، وَتَنَكَّرَ لَنَا الْحِيطَانُ حَتَّى مَا هِيَ بِالْحِيطَانِ الَّتِي نَعْرِفُ ، وَتَنَكَّرَتْ لَنَا الْأَرْضُ ، حَتَّى مَا هِيَ بِالْأَرْضِ الَّتِي نَعْرِفُ ، وَكُنْتُ أَقْوَى أَصْحَابِي ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ ، فَآتِي الْمَسْجِدَ ، وَآتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ ، وَأَقُولُ : هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِالسَّلَامِ ، فَإِذَا قُمْتُ أُصَلِّي إِلَى سَارِيَةٍ ، وَأَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي ، نَظَرَ إِلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُؤَخَّرِ عَيْنَيْهِ ، وَإِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ ، أَعْرَضَ عَنِّي ، وَاشْتَكَى ( 2 ) صَاحِبَايَ ، فَجَعَلَا يبكيان الليل والنهار ، ولا يطلعان رؤوسهما . قَالَ : فَبَيْنَا أَنَا أَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ ، إِذَا رَجُلٌ نَصْرَانِيٌّ قَدْ جَاءَ بِطَعَامٍ لَهُ يَبِيعُهُ ، يَقُولُ : مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَيَّ ، فَأَتَانِي بِصَحِيفَةٍ مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ ( 3 ) ، فَإِذَا فِيهَا : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَأَقْصَاكَ وَلَسْتَ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ ، فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ ( 4 ) . فَقُلْتُ : هَذَا أَيْضًا مِنَ الْبَلَاءِ ، فَسَجَرْتُ لها التنور ، فأحرقتها فيه ( 5 ) .

--> ( 1 ) بالرفع ، وهو موضع نصب على الاختصاص ، أي : متخصصين بذلك دون بقية الناس . ( 2 ) في البخاري و " المصنف " وغيرهما : " فاستكان صاحباي " أي : خضعا . ( 3 ) في " الفتح " : هو جبلة بن الأيهم ، جزم بذلك ابن عائذ ، وعند الواقذي : الحارث بن أبي شمر ، ويقال : جبلة بن الأيهم . ( 4 ) من المواساة ، وزاد في رواية ابن أبي شيبة ، " في أموالنا " فقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، قد طمع فيّ أهل الكفر . ( 5 ) قال الحافظ 8 / 121 : ودلَّ صنيع كعب هذا على قوة إيمانه ومحبته لله ولرسوله ، وإلا فمن صار في مثل حاله من الهجر والإعراض قد يضعف عن احتمال ذلك ، وتحمله الرغبة في الجاه والمال على هِجران من هجره ، ولا سيما مع أمنه من الملك الذي استدعاه إليه أنه لا يكرهه على فِراق دينه ، لكن لما احتمل عنده أنه لا يأمن من الافتتان حسم المادة ، وأحرق الكتاب ومنع الجواب ، هذا مع كونه من الشعراء الذين طبعت نفوسهم على الرغبة ، ولا سيما بعد الاستدعاء والحث على الوصول إلى المقصود من الجاه والمال ، ولا سيما والذي استدعاه قريبه ونسيبه ، ومع ذلك فغلب عليه دينه ، وقوي عنده يقينه ، ورجح ما هو فيه من النكد والتعذيب على ما دُعي إليه من الراحة والنعيم ، حباً في الله ورسوله ، كما قال صلى الله عليه وسلم : " وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما " .