ابن حبان
158
صحيح ابن حبان ( تحقيق الأرنؤوط )
--> = الثاني : إن الحكم لمن أرسل ، حكاه الخطيب عن أكثر أصحاب الحديث . الثالث : إن الحكم للأكثر ، فإن كان من أرسله أكثر ممن وصله ، فالحكم للإرسال ، والعكس . الرابع : إن الحكم للأحفظ . وقد تعقب القول الأول ابن دقيق العيد ، فقال : من حكى من أهل الحديث أو أكثرهم أنه إذا تعارض رواية مسند ومرسل ، أو رافع وواقف ، , ناقص وزائد ، أن الحكم للزائد لم يصب في هذا الإطلاق ، فإن ذلك ليس قانوناً مطرداً وبمراجعة أحكامهم الجزئية تعرف صواب ما نقول - وبهذا جزم الحافظ العلائي في " جامع التحصيل " فقال : كلام الأئمة المتقدمين في هذا الفن كعبد الرحمن بن مهدي ، ويحيى بن سعيد القطان ، وأحمد بن حنبل ، والبخاري ، وأمثالهم ، أنه لا يحكم في هذه المسألة بحكم كلي ، بل عملهم في ذلك دائر على الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند أحدهم في حديث وقول البخاري " الزيادة من الثقة مقبولة " إنما قاله حين سئل عن حديث " لا نكاح إلا بولي " وقد أرسله شعبة وسفيان - وهما جبلان في الحفظ ، وأسنده إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي في آخرين ، فقال البخاري : " الزيادة من الثقة مقبولة " وحكم لمن وصله . فالبخاري - رحمه الله - لم يحكم فيه بالاتصال من أجل كون الوصل زيادة ، وإنما حكم للاتصال لمعان أخرى رجحت عنده حكم الموصول ، منها أن يونس بن أبي إسحاق وابنه إسرائيل وعيسى رووه عن أبي إسحاق موصولاً ، ولا شك أن آل الرجل أخص به من غيرهم ، وقد وافقهم على ذلك أبو عوانة ، وشريك النخعي ، وزهير بن أمية ، وتمام العشرة من أصحاب أبي إسحاق مع اختلاف مجالسهم في الأخذ عنه ، وسماعهم إياه من لفظه ، وأما رواية من أرسله - وهما شعبة وسفيان - فإنما أخذاه عن أبي إسحاق في مجلس واحد . . . ولا يخفى رجحان ما أخذ من لفظ المحدث في مجالس متعددة على ما أخذ عنه عرضاً في محل واحد . هذا إذا قلنا : حفظ سفيان وشعبة في مقابل عدد الآخرين مع أن الشافعي يقول : العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد . فتبين أن ترجيخ البخاري وصل هذا الحديث على إرساله لم يكن لمجرد أن الواصل معه زيادة ليست مع المرسل ، بل بما ظهر من قرائن الترجيح ويزيد ذلك ظهوراً تقديمه للإرسال في مواضع أخرى ، مثاله : ما رواه الثوري ، عن محمد بن أبي بكر بن حزم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أبيه عن أم سلمة قالت : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لها : " إن شئت سبعت لك " ورواه مالك عن عبيد الله بن أبي بكر بن الحارث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأم سلمة . . . قال البخاري في " تاريخه " : الصواب قول مالك مع إرساله . فصوب الإرسال هنا لقرينة ظهرت له ، وصوب الوصل هناك لقرينة ظهرت له ، فتبين أنه ليس له عمل مطرد في ذلك . انظر " شرح الألفية " 1 / 165 وما بعدها للسخاوي ، وشرح علل الترمذي 1 / 426 وما بعدها . وبهذا تعلم خطأ من قوى القول الأول على إطلاقه ممن يتعاطى صناعة الحديث في عصرنا هذا ، واتخذه قاعدة مطردة في كل حديث اختلف ثقتان في وصله وإرساله .