ابن حبان
103
صحيح ابن حبان ( تحقيق الأرنؤوط )
يصعب وعيها على المقتبسين فرأيتها تنقسم خمسة أقسام متساوية متفقة التقسيم غير متنافية . فأولها الأوامر التي أمر الله عباده بها . والثاني النواهي التي نهى الله عباده عنها . والثالث إخباره عما احتيج إلى معرفتها . والرابع الإباحات التي أبيح ارتكابها . والخامس أفعال النبي صلى الله عليه وسلم التي انفرد بفعلها . ثم رأيت كل قسم منها يتنوع أنواعا كثيرة ومن كل نوع تتنوع 1 علوم خطيرة ليس يعقلها إلا العالمون الذين هم في العلم راسخون دون من اشتغل في الأصول بالقياس المنكوس وأمعن في الفروع بالرأي المنحوس 2 .
--> 1 في نسخة دار الكتب " تنتزع " . 2 هذا الوصف حق في الرأي الصادر عن هوى وتشهٍ ، والمخالف لكتاب الله وسنة رسوله ، ولكنه لا ينطبق على فقه الفقهاء من الأئمة المجتهدين الذين يستنبطون حكم النازلة من النص على طريقة فقهاء الصحابة والتابعين برد النظير إلى نظيره في الكتاب أو السنة . وجميع العلماء المجتهدين يُعدون من أهل الرأي ، لأن كل واحد منهم لا يستغني في اجتهاده عن نظر ورأي ، ولو بتحقيق المناط وتنقيحه الذي لا نزاع فيه ، لكن هذا اللقب " أصحاب الرأي " أطلق على علماء الكوفة وفقهائها من قبل أناس من رواة الحديث كان جل علمهم أن يخدموا ظواهر ألفاظ الحديث ، ولا يرومون فهم ما وراء ذلك من استجلاء حقائق المعاني ، وجليل الاستنباط ، وكان هؤلاء الرواة يضيقون صدراً من كل من أعمل عقله في فهم النص ، وتحقيق العلة والمناط ، وأخذ يبحث في غير ما يبدو لأمثالهم من ظاهر الحديث ، ويرونه قد خرج عن الجادة ، وترك الحديث إلى الرأي ، فهو بهذا - في زعمهم - مذموم منبوذ الرواية ، وقد جرحوا بهذا اللقب طوائف من الرواة الفقهاء الأثبات كما تراه في كثير من تراجم رجال الحديث في حين أن هؤلاء الفقهاء المحدثين يستحقون كل تقدير وإجلال ، ولا يصح أن يكون هذا مدعاة لذمهم أو الطعن فيهم .