يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )
348
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
وَأَمَّا النَّجَشُ فَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ اخْتِلَافًا فِي أَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ الَّذِي قَدْ دَسَّهُ الْبَائِعُ وَأَمَرَهُ فِي السِّلْعَةِ عَطَاءً لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا بِهِ فَوْقَ ثَمَنِهَا لِيَغْتَرَّ الْمُشْتَرِي فَيَرْغَبُ فِيهَا أَوْ يَمْدَحُهَا بِمَا لَيْسَ فِيهَا فَيَغْتَرُّ الْمُشْتَرِي حَتَّى يَزِيدَ فِيهَا أَوْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ لِيَغُرَّ النَّاسَ فِي سِلْعَتِهِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ رَبُّهَا وَهَذَا مَعْنَى النَّجَشِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَإِنْ كَانَ لَفْظِي رُبَّمَا خَالَفَ شَيْئًا مِنْ أَلْفَاظِهِمْ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِشَيْءٍ مِنْ مَعَانِيهِمْ وَهَذَا مِنْ فِعْلِ فَاعِلِهِ مَكْرٌ وَخِدَاعٌ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّجَشِ وَقَوْلِهِ لَا تَنَاجَشُوا وَأَجْمَعُوا أَنَّ فَاعِلَهُ عَاصٍ لِلَّهِ إِذَا كَانَ بِالنَّهْيِ عَالِمًا وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْبَيْعِ عَلَى هَذَا إِذَا صَحَّ وَعُلِمَ بِهِ فَقَالَ مَالِكٌ لَا يَجُوزُ النجش في البيع فمن اشترى سلعة مَنْجُوشَةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذَا عَلِمَ وَهُوَ عَيْبٌ مِنَ الْعُيُوبِ قَالَ أَبُو عُمَرَ الْحُجَّةُ لِمَالِكٍ فِي قَوْلِهِ هَذَا عِنْدِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ لِمُشْتَرِي الْمُصَرَّاةِ الْخِيَارَ إِذَا عَلِمَ بِعَيْبِ التَّصْرِيَةِ وَلَمْ يَقْضِ بِفَسَادِ الْبَيْعِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّصْرِيَةَ نَجَشٌ وَمَكْرٌ وَخَدِيعَةٌ فَكَذَلِكَ النَّجَشُ يَصِحُّ فِيهِ الْبَيْعُ وَيَكُونُ الْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قِيَاسًا وَنَظَرًا والله أعلم