النووي
9
الإيضاح في مناسك الحج والعمرة
أكلة واحدة في اليوم والليلة بعد العشاء الآخرة ، ولا يشرب إلا شربة واحدة عند السحر ، ولم يتزوج ، وكان كثير السهر في العبادة والتصنيف ، ولذا قال ابن السبكي رحمهما الله تعالى : إنه كان سيداً حصوراً وزهداً ، لم يبال بخراب الدنيا ، إذا صير دينه ربعاً معموراً له الزهد والقناعة ، ومتابعة السالفين من أهل السنّة والجماعة ، والمصابرة على أنواع الخير ، لا يصرف ساعة في غير طاعة . كانت عليه سكينة ووقار في البحث مع العلماء وفي غيره ، وكان آمراً بالمعروف ، ناهياً عن المنكر ، يواجه بهما المملوك والأمراء ، ويكتب إليهم الرسائل ناصحاً بالعدل في الرعية ، وإبطال المكوس ( 1 ) ، وردّ الحقوق إلى أربابها . قال أبو العباس بن فرج رحمه الله تعالى : كان الشيخ قد صارت إليه ثلاث مراتب ، كل مرتبة منها لو كانت لشخص شُدت إليه الرحال . المرتبة الأولى : العلم ، الثانية : الزهد ، الثالثة : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وقال ابن كثير رحمه الله تعالى : إنه قام على الظاهر في دار العدل في قضية الغوطة لما أراد وضع الأملاك على بساتينها فردّ عليهم ذلك ، ووقى الله شرها بعد أن غضب السلطان ، وأراد البطش به ، ثم بعد ذلك أحبه وعظمه ، حتى كان يقول : أنا أفزع منه . وفاته رحمه الله تعالى : سافر في آخر عمره إلى بلده نوى بعدما حج وزار القدس ووصل الخليل فمرض بها عند والديه وتوفي ليلة الأربعاء لست بقين من رجب سنة 676 ه ست وسبعين وستمائة ، ولما بلغ نعيه إلى دمشق أسف عليه
--> ( 1 ) المكوس : بضم الميم جمع مَكس وهو ما يفرضه الحاكم من الإتاوة عن السلع التي تباع أو تجلب وغير ذلك .