ابن سعد
61
الطبقات الكبرى ( دار الكتب العلمية )
أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهُمَا فَقَالَ لِي : إِذَا سَأَلَكَ أهلك ما حبسك ؟ فقل معلمي . وإذا سَأَلَكَ مُعَلِّمُكَ مَا حَبَسَكَ ؟ فَقُلْ أَهْلِي . ثُمَّ إِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَتَحَوَّلَ فَقُلْتُ : أَنَا أَتَحَوَّلُ مَعَكَ . فَتَحَوَّلْتُ مَعَهُ فَنَزَلَ قَرْيَةً فَكَانَتِ امْرَأَةٌ تَأْتِيَهِ . فَلَمَّا حُضِرَ قَالَ : يَا سَلْمَانُ احْفِرْ عِنْدَ رَأْسِي . فَحَفَرْتُ فَاسْتَخْرَجْتُ جَرَّةً مِنْ دَرَاهِمَ فَقَالَ لِي : صُبَّهَا عَلَى صَدْرِي . فَصَبَبْتَهَا عَلَى صَدْرِهِ . ثُمَّ إِنَّهُ مَاتَ فَهَمَمْتُ بِالدَّرَاهِمَ أَنْ أَحْوِيَهَا أَوْ أُحَوِّلَهَا شَكَّ عُبَيْدُ اللَّهِ . ثُمَّ إِنِّي ذَكَرْتُ ثُمَّ آذَنْتُ الْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانَ بِهِ فحضروه فَقُلْتُ : إِنَّهُ قَدْ تَرَكَ مَالا . فَقَامَ شَبَابٌ فِي الْقَرْيَةِ فَقَالُوا : هَذَا مَالُ أَبِينَا كَانَتْ سَرِيَّتُهُ تَأْتِيَهِ . فَأَخَذُوهُ فَقُلْتُ لِلرُّهْبَانِ : أَخْبِرُونِي بِرَجُلٍ عَالِمٍ أَتْبَعَهُ . فَقَالُوا : مَا نَعْلَمُ الْيَوْمَ فِي الأَرْضِ رَجُلا أَعْلَمَ مِنْ رَجُلٍ بِحِمْصَ . فَانْطَلَقْتُ إليه فلقيته فقصصت عليه القصة فقال : وَمَا جَاءَ بِكَ إِلا طَلَبُ الْعِلْمِ . قَالَ فَإِنِّي لا أَعْلَمُ الْيَوْمَ فِي الأَرْضِ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْ رَجُلٍ يَأْتِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ كُلَّ سَنَةٍ وَإِنِ انْطَلَقْتَ الآنَ وَافَقْتَ حِمَارَهُ . قَالَ فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا بِحِمَارِهِ عَلَى بَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَجَلَسْتُ عِنْدَهُ حَتَّى خَرَجَ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ قَالَ : وَمَا جَاءَ بِكَ إِلا طَلَبُ الْعِلْمِ . قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : اجْلِسْ . فَانْطَلَقَ فَلَمْ أَرَهُ حَتَّى الْحَوْلِ فَجَاءَ فَقُلْتُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا صَنَعْتَ بِي ؟ قَالَ : وَإِنَّكَ هَاهُنَا ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : فَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ الْيَوْمَ فِي الأَرْضِ رَجُلا أَعْلَمَ مِنْ رَجُلٍ خَرَجَ بِأَرْضِ تَيْمَاءَ . وَإِنْ تَنْطَلِقِ الآنَ تُوَافِقْهُ . فِيهِ ثَلاثُ آيَاتٍ : يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ . وَلا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ . وَعِنْدَ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ الْيُمْنَى خَاتَمُ النُّبُوَّةِ مِثْلُ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ لَوْنُهَا لَوْنُ جِلْدِهِ . قَالَ فَانْطَلَقْتُ تَرْفَعُنِي أَرْضٌ وَتَخْفِضُنِي أُخْرَى حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَعْرَابِ فَاسْتَعْبَدُونِي فَبَاعُونِي فَاشْتَرَتْنِي امْرَأَةٌ بِالْمَدِينَةِ . فَسَمِعْتُهُمْ يَذْكُرُونَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ الْعَيْشُ عَزِيزًا فَقُلْتُ لَهَا : هَبِي لِي يَوْمًا . فَقَالَتْ : نَعَمْ . فَانْطَلَقْتُ فَاحْتَطَبْتُ حَطَبًا فَبِعْتُهُ [ فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ يَسِيرًا . فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقُلْتُ : صَدَقَةٌ . فَقَالَ لأَصْحَابِهِ : كُلُوا . وَلَمْ يَأْكُلْ . قُلْتُ هَذِهِ مِنْ عَلامَتِهِ . فَمَكَثْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَمْكُثَ ثُمَّ قُلْتُ لمولاتي : هبي لي يوما . قالت : نَعَمْ . فَانْطَلَقْتُ فَاحْتَطَبْتُ حَطَبًا فَبِعْتُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَصَنَعَتْ طَعَامًا فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ وَهُوَ جَالِسٌ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ : ما هذا ؟ قلت : هدية . فوضع يده وقال لأَصْحَابِهِ : خُذُوا بِسْمِ اللَّهِ . فَقُمْتُ خَلْفَهُ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ فَإِذَا خَاتَمُ النُّبُوَّةِ فَقُلْتُ : أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ . قَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ فَحَدَّثْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ ثُمَّ قُلْتُ : أَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَإِنَّهُ حَدَّثَنِي أَنَّكَ نَبِيُّ . قَالَ : لَنْ يدخل الجنة إلا نفس مسلمة ] .