ابن سعد

196

الطبقات الكبرى ( دار الكتب العلمية )

كُنْتَ لَنَا صَاحِبَ صَدْقٍ تُكْرِمُنَا وَتُعْطِينَا وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ . قَالَ : فَإِنِّي إِنَّمَا كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ لِتَمْنَعُونِي مِنَ الْمَوْتِ . وَإِنَّ الْمَوْتَ هَا هُوَ ذَا قَدْ نَزَلَ بِي فَأَغْنُوهُ عَنِّي . فَنَظَرَ القوم بعضهم إلى بعض فقالوا : لا نُغْنِي عَنْكَ مِنَ الْمَوْتِ شَيْئًا . فَقَالَ : أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ قُلْتُهَا وَإِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكُمْ لا تُغْنُونَ عَنِّي مِنَ الْمَوْتِ شَيْئًا وَلَكِنْ الله لأَنْ أَكُونَ لَمْ أَتَّخِذْ مِنْكُمْ رَجُلا قَطُّ يَمْنَعُنِي مِنَ الْمَوْتِ أَحَبَّ إِلَى مِنْ كَذَا وَكَذَا . فَيَا وَيْحَ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ إِذْ يَقُولُ حَرَسُ أُمَرَاءِ أَجَلِهِ . ثُمَّ قَالَ عَمْرٌو : اللَّهُمَّ لا بَرِيءَ فَأَعْتَذِرُ وَلا عَزِيزَ فَأَنْتَصِرُ وإلا تدركني برحمة أكن من الهالكين . قال : أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُوسَى قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُخْتَارِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ الْمُزَنِيِّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو حَرْبِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَاهُ أَوْصَاهُ قَالَ : يَا بُنَيَّ إِذَا مِتُّ فَاغْسِلْنِي غَسْلَةً بِالْمَاءِ ثُمَّ جَفِّفْنِي فِي ثَوْبٍ . ثُمَّ اغْسِلْنِي الثَّانِيَةَ بِمَاءٍ قُرَاحٍ ثُمَّ جَفِّفْنِي فِي ثَوْبٍ . ثُمَّ اغْسِلْنِي الثَّالِثَةَ بِمَاءٍ فِيهِ شَيْءٌ من كافور ثُمَّ جَفِّفْنِي فِي ثَوْبٍ . ثُمَّ إِذَا أَلْبَسْتَنِي الثِّيَابَ فَأَزِرَّ عَلَيَّ فَإِنِّي مُخَاصِمٌ . ثُمَّ إِذَا أَنْتَ حَمَلْتَنِي عَلَى السَّرِيرِ فَامْشِ بِي مَشْيًا بَيْنَ الْمَشْيَتَيْنِ وَكُنْ خَلْفَ الْجَنَازَةِ فَإِنَّ مُقَدَّمَهَا لِلْمَلائِكَةِ وَخَلْفَهَا لِبَنِي آدَمَ . فَإِذَا أَنْتَ وَضَعْتَنِي فِي الْقَبْرِ فَسُنَّ عَلَيَّ التُّرَابَ سَنًّا . ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَمَرْتَنَا فَرَكِبْنَا وَنَهَيْتَنَا فَأَضَعْنَا فَلا بَرِيءَ فَأَعْتَذِرُ وَلا عَزِيزَ فَأَنْتَصِرُ وَلَكِنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ . مَا زَالَ يَقُولُهَا حتى مات . قَالَ : أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَمَّادٍ وَغَيْرِهِ قَالَ : قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ : عُدْتُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَقَدْ ثَقُلَ فَقُلْتُ : كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ قَالَ : أَذُوبُ وَلا أَثُوبُ وَأَجِدُ نَجْوَى أَكْثَرَ مِنْ رُزْئِي . فَمَا بَقَاءُ الكبير على هذا ؟ قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ عَنْ عَوَانَةَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ : عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ يَقُولُ : عَجَبًا لِمَنْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ وَعَقْلُهُ مَعَهُ كَيْفَ لا يَصِفُهُ . فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ قَالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو : يَا أَبَتِ إِنَّكَ كُنْتَ تَقُولُ عَجَبًا لِمَنْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ وَعَقْلُهُ مَعَهُ كَيْفَ لا يَصِفُهُ فَصِفْ لَنَا الْمَوْتَ وَعَقْلُكُ مَعَكَ . فَقَالَ : يَا بُنَيَّ . الْمَوْتُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُوصَفَ وَلَكِنِّي سَأَصِفُ لَكَ مِنْهُ شَيْئًا . أَجِدُنِي كَأَنَّ عَلَى عُنُقِي جِبَالُ رَضْوَى . وَأَجِدُنِي كَأَنَّ فِي جَوْفِي شَوْكَ السِّلاءِ . وَأَجِدُنِي كَأَنَّ نفسي يخرج من ثقب إبرة . قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَحْيَى عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ : تُوُفِّيَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ يَوْمَ الْفِطْرِ بِمِصْرَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَهُوَ وال