ابن سعد
68
الطبقات الكبرى ( دار الكتب العلمية )
تَسْقِي الْحَجِيجَ الأَعْظَمَ . وَهِيَ بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدَّمِ عِنْدَ نَقْرَةِ الْغُرَابِ الأَعْصَمِ . قَالَ : وَكَانَ غُرَابٌ أَعْصَمُ لا يَبْرَحُ عِنْدَ الذَّبَائِحِ مَكَانَ الْفَرْثِ وَالدَّمِ . وَهِيَ شِرْبٌ لَكَ وَلِوَلَدِكَ مِنْ بَعْدِكَ . قَالَ : فَغَدَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِمِعْوَلِهِ وَمِسْحَاتِهِ مَعَهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ . وَلَيْسَ لَهُ يَوْمَئِذٍ وَلَدٌ غَيْرَهُ . فَجَعَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَحْفِرُ بِالْمِعْوَلِ وَيَغْرِفُ بِالْمِسْحَاةِ فِي الْمِكْتَلِ فَيَحْمِلُهُ الْحَارِثُ فَيُلْقِيهِ خَارِجًا . فَحَفَرَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ بَدَا لَهُ الطَّوِيُّ فَكَبَّرَ وَقَالَ : هَذَا طَوِيُّ إِسْمَاعِيلَ . فَعَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ الْمَاءَ فَأَتَوْهُ فَقَالُوا : أَشْرِكْنَا فِيهِ . فَقَالَ : مَا أَنَا بِفَاعِلٍ . هَذَا أَمْرٌ خُصِصْتُ بِهِ دُونَكُمْ فَاجْعَلُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ مَنْ شِئْتُمْ أُحَاكِمْكُمْ إِلَيْهِ . قَالُوا : كَاهِنَةَ بَنِي سَعْدٍ هُذَيْمَ . وَكَانَتْ بِمُعَانَ مِنْ أَشْرَافِ الشَّامِ . فَخَرَجُوا إِلَيْهَا وَخَرَجَ مَعَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عِشْرُونَ رَجُلا مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ . وَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ بِعِشْرِينَ رَجُلا مِنْ قَبَائِلِهَا . فَلَمَّا كَانُوا بِالْفَقِيرِ مِنْ طَرِيقِ الشَّامِ أَوْ حَذْوِهِ فَنِيَ مَاءُ الْقَوْمِ جَمِيعًا فَعَطِشُوا فَقَالُوا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ : مَا تَرَى ؟ فَقَالَ : هُوَ الْمَوْتُ . فَلْيَحْفِرْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ حُفْرَةً لِنَفْسِهِ فَكُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ دَفَنَهُ أَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ رَجُلا وَاحِدًا فَيَمُوتَ ضَيْعَةً أَيْسَرُ مِنْ أَنْ تَمُوتُوا جَمِيعًا . فَحَفَرُوا ثُمَّ قَعَدُوا يَنْتَظِرُونَ الْمَوْتَ . فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ : وَاللَّهِ إِنَّ إِلْقَاءَنَا بِأَيْدِينَا هَكَذَا لَعَجْزٌ . أَلا نَضْرِبُ فِي الأَرْضِ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَنَا مَاءً بِبَعْضِ هَذِهِ الْبِلادِ ! فَارْتَحَلُوا . وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى رَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا . فَلَمَّا انْبَعَثَتْ بِهِ انْفَجَرَ تَحْتَ خُفِّهَا عَيْنُ مَاءٍ عَذْبٍ . فَكَبَّرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَكَبَّرَ أَصْحَابُهُ وَشَرِبُوا جَمِيعًا . ثُمَّ دَعَا الْقَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ : هَلُمُّوا إِلَى الْمَاءِ الرِّوَاءِ فَقَدْ سَقَانَا اللَّهُ . فَشَرِبُوا وَاسْتَقُوا وَقَالُوا : قَدْ قُضِيَ لَكَ عَلَيْنَا . الَّذِي سَقَاكَ هَذَا الْمَاءَ بِهَذِهِ الْفَلاةِ هُوَ الَّذِي سقاك زمزم . فوالله لا نُخَاصِمُكَ فِيهَا أَبَدًا ! فَرَجَعَ وَرَجَعُوا مَعَهُ وَلَمْ يَصِلُوا إِلَى الْكَاهِنَةِ وَخَلُّوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَمْزَمَ . قَالَ : أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ . أَخْبَرَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ : أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ أُتِيَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ : احْتَفِرْ . فَقَالَ : أَيْنَ ؟ فَقِيلَ لَهُ : مَكَانَ كَذَا وَكَذَا . فَلَمْ يَحْتَفِرْ . فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ : احْتَفِرْ عِنْدَ الْفَرْثِ عِنْدَ النَّمْلِ عِنْدَ مَجْلِسِ خُزَاعَةَ وَنَحْوِهِ . فَاحْتَفَرَ . فَوَجَدَ غَزَالا وَسِلاحًا وَأَظْفَارًا . فَقَالَ قَوْمُهُ لَمَّا رَأَوْا الْغَنِيمَةَ : كَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُغَازُوهُ . قَالَ : فَعِنْدَ ذَلِكَ نَذَرَ لَئِنْ وُلِدَ لَهُ عَشَرَةٌ لَيَنْحَرَنَّ أَحَدَهُمْ . فَلَمَّا وُلِدَ لَهُ عَشَرَةٌ وَأَرَادَ ذَبْحَ عَبْدِ اللَّهِ مَنَعَتْهُ بَنُو زُهْرَةَ وَقَالُوا : أَقْرِعْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَذَا وَكَذَا مِنَ الإِبِلِ . وَإِنَّهُ أَقْرَعَ فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَعَلَى الإِبِلِ مَرَّةً . قَالَ : لا