ابن سعد
178
الطبقات الكبرى ( دار الكتب العلمية )
السُّكَّرِيَّ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ وَهْبٍ الْمَذْحِجِيُّ عَنِ الْحُرِّ بْنِ الصَّيَّاحِ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ . وَدَلِيلُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُرَيْقِطٍ اللَّيْثِيُّ . فَمَرُّوا بِخَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيَّةِ . وَكَانَتِ امْرَأَةً جَلْدَةً . بَرْزَةً . تَحْتَبِي وَتَقْعُدُ بِفِنَاءِ الْخَيْمَةِ . ثُمَّ تَسْقِي وَتُطْعِمُ . فَسَأَلُوهَا تَمْرًا أَوْ لَحْمًا يَشْتَرُونَ . فَلَمْ يُصِيبُوا عِنْدَهَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ . وَإِذَا الْقَوْمُ مُرْمِلُونَ مُسْنِتُونَ . فَقَالَتْ : وَاللَّهِ لَوْ كَانَ عِنْدَنَا شَيْءٌ مَا أَعْوَزَكُمُ الْقِرَى . فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى شَاةٍ فِي كَسْرِ الْخَيْمَةِ فَقَالَ : مَا هَذِهِ الشَّاةُ يَا أُمَّ مَعْبَدٍ ؟ قَالَتْ : هَذِهِ شَاةٌ خَلَّفَهَا الْجَهْدُ عَنِ الْغَنَمِ . فَقَالَ : هَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ ؟ قَالَتْ : هِيَ أَجْهَدُ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ : أَتَأْذَنِينَ لِي أَنْ أَحْلِبَهَا ؟ قَالَتْ : نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي . إِنْ رَأَيْتَ بِهَا حَلْبًا ! فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالشاة فمسح ضرعها وذكر اللَّهِ وَقَالَ : [ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهَا فِي شَاتِهَا ! قَالَ : ] فَتَفَاجَتْ وَدَرَّتْ وَاجْتَرَّتْ . فَدَعَا بِإِنَاءٍ لَهَا يربض الرهط فحلب فيه ثجا حتى غلبه الثُّمَالِ فَسَقَاهَا فَشَرِبَتْ حَتَّى رَوَيَتْ [ وَسَقَى أَصْحَابَهُ حَتَّى رَوَوْا وَشَرِبَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آخِرَهُمْ وَقَالَ : سَاقِي الْقَوْمِ آخِرُهُمْ ] . فَشَرِبُوا جَمِيعًا عَلَلا بَعْدَ نَهَلٍ حَتَّى أَرَاضُوا . ثُمَّ حَلَبَ فِيهِ ثَانِيًا عَوْدًا عَلَى بَدْءٍ فَغَادَرَهُ عِنْدَهَا ثُمَّ ارْتَحُلُوا عَنْهَا . فَقَلَّمَا لَبَثَتْ أَنْ جَاءَ زوجها أبو معبد يسوق أعنزا حيلا عِجَافٌا هَزْلَى مَا تُسَاوَقُ . مُخُّهُنَّ قَلِيلٌ لا نِقْيَ بِهِنَّ . فَلَمَّا رَأَى اللَّبَنَ عَجِبَ وَقَالَ : مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا وَالشَّاةُ عَازِبَةٌ وَلا حَلُوبَةَ فِي الْبَيْتِ ؟ قَالَتْ : لا وَاللَّهِ إِلا أَنَّهُ مَرَّ بِنَا رَجُلٌ مُبَارَكٌ كَانَ مِنْ حديثه كيت وكيت . قال : والله لأَرَاهُ صَاحِبَ قُرَيْشٍ الَّذِي يُطْلَبُ . صِفِيهِ لِي يَا أُمَّ مَعْبَدٍ . قَالَتْ : رَأَيْتُ رَجُلا ظَاهِرَ الْوَضَاءَةِ . مُتَبَلِّجَ الْوَجْهِ . حَسَنَ الْخُلُقِ . لَمْ تَعِبْهُ ثَجْلَةٌ وَلَمْ تُزْرِ بِهِ صَعْلَةٌ . وَسِيمٌ قَسِيمٌ . فِي عَيْنَيْهِ دَعَجٌ . وَفِي أَشْفَارِهِ وَطْفٌ . وَفِي صَوْتِهِ صَحَلٌ . أَحْوَرُ أَكْحَلُ أَزَجُّ أَقْرَنُ . شَدِيدُ سَوَّادِ الشَّعْرِ . فِي عُنُقِهِ سَطَعٌ . وَفِي لِحْيَتِهِ كَثَافَةٌ . إِذَا صَمَتَ فَعَلَيْهِ الْوَقَارُ . وَإِذَا تَكَلَّمَ سَمَا وَعَلاهُ الْبَهَاءُ وَكَأَنَّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَتَحَدَّرْنَ . حُلْوُ الْمِنْطَقِ . فَصْلٌ . لا نَزْرَ وَلا هَذْرَ . أَجْهَرُ النَّاسِ وَأَجْمَلُهُ مِنْ بَعِيدٍ . وَأَحْلاهُ وَأَحْسَنَهُ مِنْ قَرِيبٍ . رَبْعَةٌ لا تَشْنَؤُهُ مِنْ طُولٍ وَلا تَقْتَحِمُهُ عَيْنٌ مِنْ قِصَرٍ . غُصْنٌ بَيْنَ غُصْنَيْنِ . فَهُوَ أَنْضَرُ الثَّلاثَةِ مَنْظَرًا . وَأَحْسَنُهُمْ قَدْرًا . لَهُ رُفَقَاءُ يَحُفُّونَ بِهِ . إِذَا قَالَ اسْتَمَعُوا لِقَوْلِهِ . وَإِذَا أَمَرَ تَبَادَرُوا إِلَى أَمْرِهِ . مَحْفُودٌ مَحْشُودٌ . لا عَابِثَ وَلا مُفَنِّدَ . قَالَ : هَذَا وَاللَّهِ صَاحِبُ قُرَيْشٍ الَّذِي ذُكِرَ لَنَا مِنْ أَمْرِهِ مَا ذُكِرَ . وَلَوْ كُنْتُ وَافَقْتُهُ يَا أُمَّ مَعْبَدٍ لالْتَمَسْتُ أَنْ أَصْحَبَهُ . وَلأَفْعَلَنَّ إِنْ وَجَدْتُ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلا . وَأَصْبَحَ صَوْتٌ بمكة عاليا