ابن سعد

172

الطبقات الكبرى ( دار الكتب العلمية )

الْعَقَبَةِ حَيْثُ الْمَسْجِدُ الْيَوْمَ . وَأَمَرَهُمْ أَنْ لا يُنْبِهُوا نَائِمًا وَلا يَنْتَظِرُوا غَائِبًا . قَالَ : فَخَرَجَ الْقَوْمُ بَعْدَ هَدْأَةٍ يَتَسَلَّلُونَ الرَّجُلُ وَالرِّجْلانِ وَقَدْ سَبَقَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَعَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ غَيْرَهُ . فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ طَلَعَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَافِعُ بْنُ مَالِكٍ الزُّرَقِيُّ . ثُمَّ تَوَافَى السَّبْعُونَ وَمَعَهُمُ امْرَأَتَانِ . قَالَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ : فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ إِنَّكُمْ قَدْ دَعَوْتُمْ مُحَمَّدًا إِلَى مَا دَعَوْتُمُوهُ إِلَيْهِ . وَمُحَمَّدٌ مِنْ أَعَزِّ النَّاسِ فِي عَشِيرَتِهِ . يَمْنَعُهُ وَاللَّهِ مِنَّا مَنْ كَانَ عَلَى قَوْلِهِ . وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنَّا عَلَى قَوْلِهِ يَمْنَعُهُ لِلْحَسَبِ وَالشَّرَفِ . وَقَدْ أَبَى مُحَمَّدٌ النَّاسَ كُلَّهُمْ غَيْرَكُمْ . فَإِنْ كُنْتُمْ أَهْلَ قُوَّةٍ وَجَلَدٍ وَبَصَرٍ بِالْحَرْبِ وَاسْتِقْلالٍ بِعَدَاوَةِ الْعَرَبِ قَاطِبَةً تَرْمِيكُمْ عَنْ قَوْسٍ واحدة . فارتأوا رأيكم وأتمروا بَيْنَكُمْ وَلا تَفْتَرِقُوا إِلا عَنْ مَلإٍ مِنْكُمْ وَاجْتِمَاعٍ . فَإِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ أَصْدَقُهُ . فَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ : قَدْ سَمِعْنَا مَا قُلْتَ وَإِنَّا وَاللَّهِ لَوْ كَانَ فِي أَنْفُسِنَا غَيْرُ مَا تَنْطِقُ بِهِ لَقُلْنَاهُ وَلَكِنَّا نُرِيدُ الْوَفَاءَ وَالصِّدْقَ وَبَذْلَ مُهَجِ أَنْفُسِنَا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَتَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَرَغَّبَهُمْ فِي الإِسْلامِ وَذَكَرَ الَّذِي اجْتَمَعُوا لَهُ . فَأَجَابَهُ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِالإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ بَايِعْنَا فَنَحْنُ أَهْلُ الْحَلْقَةِ وَرِثْنَاهَا كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ . وَيُقَالُ إِنَّ أَبَا الْهَيْثَمِ بْنَ التَّيِّهَانِ كَانَ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ وَأَجَابَ إِلَى مَا دَعَا إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَدَّقَهُ . وَقَالُوا : نَقْبَلُهُ عَلَى مُصِيبَةِ الأَمْوَالِ وَقَتْلِ الأَشْرَافِ . وَلَغَطُوا . فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المطلب وهو آخذ بيد رسول الله . ص : أَخْفُوا جَرْسَكُمْ فَإِنَّ عَلَيْنَا عُيُونًا . وَقَدِّمُوا ذَوِي أَسْنَانِكُمْ . فَيَكُونُونَ هُمُ الَّذِينَ يَلُونَ كَلامَنَا مِنْكُمْ . فَإِنَّا نَخَافُ قَوْمَكُمْ عَلَيْكُمْ . ثُمَّ إِذَا بَايَعْتُمْ فَتَفَرَّقُوا إِلَى مَحَالِّكُمْ . فَتَكَلَّمَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ فَأَجَابَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ . ثُمَّ قَالَ : ابْسُطْ يَدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ . وَيُقَالُ أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِهِ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ . وَيُقَالُ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ . ثُمَّ ضَرَبَ السَّبْعُونَ كُلُّهُمْ عَلَى يَدِهِ وَبَايَعُوهُ . [ فَقَالَ رسول الله . ص : إِنَّ مُوسَى أَخَذَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ اثْنَيْ عشر نقيبا فلا يجدن أَحَدٌ فِي نَفْسِهِ أَنْ يُؤْخَذَ غَيْرُهُ فَإِنَّمَا يَخْتَارُ لِي جِبْرِيلُ . فَلَمَّا تَخَيَّرَهُمْ قَالَ لِلنُّقَبَاءِ : أَنْتُمْ كُفَلاءُ عَلَى غَيْرِكُمْ كَكَفَالَةِ الْحَوَارِيِّينَ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَنَا كَفِيلٌ عَلَى قَوْمِي ] . قَالُوا : نَعَمْ . فَلَمَّا بَايَعَ الْقَوْمَ وَكَمَلُوا صَاحَ الشَّيْطَانُ عَلَى الْعَقَبَةِ بِأَبْعَدِ صَوْتٍ سُمِعَ : يَا أَهْلَ الأَخَاشِبِ . هَلْ لَكُمْ فِي مُحَمَّدٍ وَالصُّبَاةِ مَعَهُ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى حَرْبِكُمْ ؟ [ فَقَالَ رَسُولُ