ابن سعد
158
الطبقات الكبرى ( دار الكتب العلمية )
ذِكْرُ مَمْشَى قُرَيْشٍ إِلَى أَبِي طَالِبٍ فِي أَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الأَسْلَمِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ لُوطٍ النَّوْفَلِيُّ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ قَالَ : وحدثني عَائِذُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ قَالَ : وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ عن أبيه عن عبد الله ابن ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ الْعُذْرِيِّ . دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي حَدِيثِ بَعْضٍ . قَالُوا : لَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ ظُهُورَ الإِسْلامِ وَجُلُوسَ الْمُسْلِمِينَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ سَقَطَ فِي أَيْدِيهِمْ . فَمَشُوا إِلَى أَبِي طَالِبٍ حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا : أَنْتَ سَيُّدُنَا وَأَفْضَلُنَا فِي أَنْفُسِنَا . وَقَدْ رَأَيْتَ هَذَا الَّذِي فَعَلَ هَؤُلاءِ السُّفَهَاءُ مَعَ ابْنِ أَخِيكَ مِنْ تَرْكِهِمْ آلِهَتَنَا وطعنهم علينا وتسفيههم أحلامنا . وجاؤوا بِعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَقَالُوا : قَدْ جِئْنَاكَ بِفَتَى قُرَيْشٍ جَمَالا وَنَسَبًا وَنَهَادَةً وَشِعْرًا نَدْفَعُهُ إِلَيْكَ فَيَكُونُ لَكَ نَصَرُهُ وَمِيرَاثُهُ وَتَدْفَعُ إِلَيْنَا ابْنَ أَخِيكَ فَنَقْتُلُهُ . فَإِنَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ لِلْعَشِيرَةِ وَأَفْضَلُ فِي عَوَاقِبِ الأُمُورِ مَغَبَّةً . قَالَ أَبُو طَالِبٍ : وَاللَّهِ مَا أَنْصَفْتُمُونِي . تُعْطُونَنِي ابْنَكُمْ أَغْذُوهُ لَكُمْ وَأُعْطِيكُمُ ابْنَ أَخِي تَقْتُلُونَهُ ؟ مَا هَذَا بِالنَّصَفِ . تَسُومُونَنِي سَوْمَ الْعَرِيرِ الذَّلِيلِ ! قَالُوا : فَأَرْسِلْ إِلَيْهِ فَلْنُعْطِهِ النَّصَفَ . فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ . فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي هَؤُلاءِ عُمُومَتُكَ وَأَشْرَافُ قَوْمِكَ وَقَدْ أَرَادُوا يُنْصِفُونَكَ . [ فَقَالَ رَسُولُ الله . ص : قُولُوا أَسْمَعْ . قَالُوا : تَدَعَنَا وَآلِهَتَنَا . وَنَدَعُكَ وَإِلَهَكَ . قَالَ أَبُو طَالِبٍ : قَدْ أَنْصَفَكَ الْقَوْمُ فَاقْبَلْ منهم . فقال رسول الله . ص : أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَعْطَيْتُكُمْ هَذِهِ هَلْ أَنْتُمْ مُعْطِيَّ كَلِمَةً إِنْ أَنْتُمْ تَكَلَّمْتُمْ بِهَا مَلَكْتُمْ بِهَا الْعَرَبَ وَدَانَتْ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ ؟ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ : إِنَّ هَذِهِ لَكَلِمَةٌ مُرْبِحَةٌ . نَعَمْ وَأَبِيكَ لَنَقُولَنَّهَا وَعَشَرَ أَمْثَالِهَا . قَالَ : قُولُوا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ . فَاشْمَأَزُّوا ] وَنَفَرُوا مِنْهَا وَغَضِبُوا وَقَامُوا وَهُمْ يَقُولُونَ : اصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ . إِنَّ هَذَا لِشَيْءٌ يُرَادُ . وَيُقَالُ : الْمُتَكَلِّمُ بِهَذَا عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ . وَقَالُوا : لا نَعُودُ إِلَيْهِ أَبَدًا . وَمَا خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُغْتَالَ مُحَمَّدٌ . فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ فُقِدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَاءَ أَبُو طَالِبٍ وَعُمُومَتُهُ إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمْ يَجِدُوهُ . فَجَمَعَ فِتْيَانًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ ثُمَّ قَالَ : لِيَأْخُذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ حَدِيدَةً صَارِمَةً ثُمَّ لِيَتَّبِعُنِي إِذَا دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ . فَلْيَنْظُرْ كُلُّ فَتًى مِنْكُمْ فَلْيَجْلِسْ إِلَى عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَائِهِمْ فِيهِمُ ابْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ . يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ . فَإِنَّهُ لَمْ يَغِبْ عَنْ شَرٍّ إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ . فَقَالَ الْفِتْيَانُ : نَفْعَلُ . فَجَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَوَجَدَ أَبَا طَالِبٍ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ . فَقَالَ : يَا زَيْدُ أَحْسَسْتَ ابْنَ أَخِي ؟ قَالَ : نَعَمْ كُنْتُ مَعَهُ