ابن سعد

123

الطبقات الكبرى ( دار الكتب العلمية )

فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ : وَاللَّهِ إِنْ كَانَ بِنَا لَلُؤْمٌ أَنْ يَتَخَلَّفَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مِنْ بَيْنِنَا . ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ فَاحْتَضَنَهُ وَأَقْبَلَ بِهِ حَتَّى أَجْلَسَهُ عَلَى الطَّعَامِ . وَالْغَمَامَةُ تَسِيرُ عَلَى رَأْسِهِ . وَجَعَلَ بَحِيرَا يَلْحَظُهُ لَحْظًا شَدِيدًا . وَيَنْظُرُ إِلَى أَشْيَاءَ فِي جَسَدِهِ قَدْ كَانَ يَجِدُهَا عِنْدَهُ مِنْ صِفَتِهِ . فَلَمَّا تَفَرَّقُوا عَنْ طَعَامِهِمْ قَامَ إِلَيْهِ الرَّاهِبُ فَقَالَ : [ يَا غُلامُ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ اللاتِ وَالْعُزَّى أَلا أَخْبَرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ . فَقَالَ رَسُولُ الله . ص : لا تسألني باللات والعزى فوالله مَا أَبْغَضْتُ شَيْئًا بُغْضَهُمَا ! قَالَ : فَبِاللَّهِ أَلا أَخْبَرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ . قَالَ : سَلْنِي عَمَّا بَدَا لَكَ . فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ حَالِهِ حَتَّى نَوْمِهِ . فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُخْبِرُهُ فَيُوَافِقُ ذَلِكَ مَا عِنْدَهُ . ثُمَّ جَعَلَ يَنْظُرُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ] . ثُمَّ كَشَفَ عَنْ ظَهْرِهِ فَرَأَى خَاتَمَ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَلَى مَوْضِعِ الصِّفَةِ الَّتِي عِنْدَهُ . قَالَ : فَقَبَّلَ مَوْضِعَ الْخَاتَمِ . وَقَالَتْ قُرَيْشٌ : إِنَّ لِمُحَمَّدٍ عِنْدَ هَذَا الرَّاهِبِ لَقَدْرًا . وَجَعَلَ أَبُو طَالِبٍ . لِمَا يَرَى مِنَ الرَّاهِبِ . يَخَافُ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ . فَقَالَ الرَّاهِبُ لأَبِي طَالِبٍ : مَا هَذَا الْغُلامُ مِنْكَ ؟ قَالَ أَبُو طَالِبٍ : ابْنِي . قَالَ : مَا هُوَ بِابْنِكَ . وَمَا يَنْبَغِي لِهَذَا الْغُلامِ أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ حَيًّا . قَالَ : فَابْنُ أَخِي . قَالَ : فَمَا فَعَلَ أَبُوهُ ؟ قَالَ : هَلَكَ وَأُمُّهُ حُبْلَى بِهِ . قَالَ : فَمَا فَعَلَتْ أُمُّهُ ؟ قَالَ : تُوُفِّيَتْ قَرِيبًا . قَالَ : صَدَقْتَ . ارْجِعْ بِابْنِ أَخِيكَ إلى بلده واحذر عليه اليهود . فوالله لَئِنْ رَأَوْهُ وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا أَعْرِفُ لَيَبْغُنَّهُ عَنَتًا . فَإِنَّهُ كَائِنٌ لابْنِ أَخِيكَ هَذَا شَأْنٌ عَظِيمٌ نَجِدُهُ فِي كُتُبِنَا وَمَا رُوِّينَا عَنْ آبَائِنَا . وَأَعْلَمُ أَنِّي قَدْ أَدَّيْتُ إِلَيْكَ النَّصِيحَةَ . فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ تِجَارَاتِهِمْ خَرَجَ بِهِ سَرِيعًا . وَكَانَ رِجَالٌ مِنْ يَهُودَ قَدْ رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَرَفُوا صِفَتَهُ . فَأَرَادُوا أَنْ يَغْتَالُوهُ فَذَهَبُوا إِلَى بَحِيرَا فَذَاكَرُوهُ أَمْرَهُ فَنَهَاهُمْ أَشَدَّ النَّهْيِ وَقَالَ لَهُمْ : أَتَجِدُونَ صِفَتَهُ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : فَمَا لَكُمْ إِلَيْهِ سَبِيلٌ . فَصَدَّقُوهُ وَتَرَكُوهُ . وَرَجَعَ بِهِ أَبُو طَالِبٍ فَمَا خَرَجَ بِهِ سَفَرًا بَعْدَ ذَلِكَ خَوْفًا عَلَيْهِ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ . حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَشْعَرِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى . قَالَ الرَّاهِبُ لأَبِي طَالِبٍ : لا تَخْرُجَنَّ بِابْنِ أَخِيكَ إِلَى مَا هَهُنَا فَإِنَّ الْيَهُودَ أَهْلُ عَدَاوَةٍ . وَهَذَا نَبِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ . وَهُوَ مِنَ الْعَرَبِ . وَالْيَهُودُ تَحْسُدُهُ تُرِيدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَاحْذَرْ عَلَى ابْنِ أَخِيكَ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ . أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ شَيْبَةَ عَنْ عَمِيرَةَ بِنْتِ عُبَيْدِ اللَّهِ بن كعب ابن مَالِكٍ عَنْ أُمِّ سَعْدِ بِنْتِ سَعْدٍ عَنْ نَفِيسَةَ بِنْتِ مُنْيَةَ أُخْتِ يَعْلَى بْنِ مُنْيَةَ قَالَتْ : لَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَلَيْسَ لَهُ بمكة اسم إلا الأمين . لما تكامل من